فُكّت قيود أسرار القصير. أخيراً، أُفرج عن بعض قصص المقاومين خلف الحدود. وُضعت الجليل بالمرصاد. أطلق ضباط المقاومة صلياتهم إلى ما بعد تل أبيب. إلى ضباط الجيش الإسرائيلي المنكفئ على الحدود منذ ما يقارب الـ3 أشهر، خوفاً من ردّ محتوم. لم تردعه مفاوضات هنا أو دعوات للحياد هناك.

انطلقت السلسلة الوثائقية «أسرار التحرير الثاني» في أيلول (سبتمبر) على قناة «المنار». سلسلة هي الأولى من نوعها في تاريخ المقاومة. أذِن الأمين العام لحزب الله، السيد حسن نصر الله، للمنتجين. كانت إشارته تلك ضوءاً أخضر للبدء. حصل المعدّون، للمرة الأولى، على مادة خام من أكثر من 300 جيغا من فريق الإعلام في المقاومة (raw material)، بإذن مباشر ومفتوح من السيد نصر الله. فقد جرت العادة، منذ عام 1986، أن يختار الإعلام الحربي المشاهد التي يراها مناسبة ويضخّها في الإعلام، إضافة إلى أكثر من 12 ألف وثيقة (محاضر ودراسات وخرائط وخطط معارك). تألّف فريق الإعداد من ضياء أبو طعام (المشرف): 6 حلقات، ضبّاط الإعلام والدراسات في المقاومة: 4 حلقات، وأحمد بزّي: 2. إشراف عام: المدير العام لقناة المنار إبراهيم فرحات.
اللافت هو تولّي ضباط الإعلام والدراسات في المقاومة للمرة الأولى إخراج حلقات وثائقية، عن معارك خاضها حزب الله، سابقة من نوعها في تاريخ المقاومة. إعداد وتنفيذ وغرافيكس مُحكم، ترجم العمليات العسكرية إلى صور ناطقة. للمرة الأولى أيضاً، ظهر الضباط بصفاتهم الحقيقية (ضابط اتجاه، ضابط عمليات، ضابط دراسات...). تحدّثوا بعبارات مُتقنة، وصلت دلالاتها إلى داخل كيان العدو. لم يُدرّبهم عليها أحد، يقول أبو طعام، الذي تفاجأ وسائر فريق العمل ببراعتهم في التعبير عن الحدث العسكري، مهما ساده التعقيد. أحسنَ المسؤولون في فصائل وسرايا المقاومة الوصف، نتيجة الاطلاع والتدريب. وصلت رسائلهم، بمصطلحات دقيقة، إلى الخبراء العسكريين قبل السياسيين. دوّن العسكريون الصهاينة عبارات المقاومين جيداً، كما لو أنها وُجّهت لهم. فاقت مهارات المقاومين ساحات القتال. دفعت بأحد القياديين في الجيش اللبناني إلى الاتصال بأبو طعام والاعتراف له بأن لدى ضباط المقاومة القدرة على التعبير العسكري أكثر من ضباط الجيش اللبناني. يغفل المشاهد العادي عن الانتباه إلى التفاصيل، ما خلف المتاريس له لغة خاصة. بعض قادة المقاومة استُشهدوا، فخجل فريق الإعداد من تضحياتهم، كاشفاً عن بريق وجههم الملائكي دون تمويه، كالشهيد خطّار عبد الله (الحاج ولاء). والجريح (الحاج ملاك) الذي فقد قدميه.
أما عن مشاهد كاميرا المسلّحين التي كانت عينها حاضرة في الحلقات، فقد حصل ضبّاط المقاومة عليها بعد استيلائهم على مخزون إعلامي للمسلّحين، من مقرّهم الإعلامي المركزي في القصير. خلّف المسلحون وراءهم الكثير من المشاهد الموثقّة والهزائم الموجعة. استحوَذ المعدّون على مشاهد إضافية من منصّات إلكترونية للمسلحين، بعضها حُذف لاحقاً، إلّا أن الرصد الحثيث مكّنهم من تحميلها قبل الحذف.
فاجأ السيد نصر الله المعدّين بعد عرض الحلقات الثلاث الأولى بمشاهد خاصة، زوّدهم بها قبل حلقة القصير الثانية. اختار السيد المشاهد بنفسه، قدّمها للفريق عربون شكر وتقدير ووفاء. أبلغهم بذلك متابعته الكاملة للحلقات. لم يكتفِ المعدّون هنا. فُتحت شهيتهم على مشاهد جديدة. راسلوا السيد طامعين بمشاهد خاصة من جولته في جرود عرسال، قبل أيام من بدء المعركة هناك. فهل يكمل السيد الصورة؟ وهل نرى مشاهد لأول مرة من هذا النوع؟ ستجيبنا الحلقات القادمة التي تُكمل رواية التحرير.
أظهرت السلسلة تفاقم قدرات حزب الله العسكرية، ليس أولها القتال كالجيوش، في تشكيلات منظّمة، قاتل فيها بآليات ودبابات وصواريخ، وبتكتيكات هجومية واسعة. ولا آخرها استعراض صواريخ صنّعها بنفسه (بركان قصير المدى). أبدع الحزب في حرب المدن (urban warfare)، أمام عدوٍّ شرس، لا ينقصه التمويل والتسليح والعديد. عدوّ أبدع في التشريكات والتفخيخ والتحصينات والأنفاق. شرح الوثائقي أسباب دخول معركة سوريا من بابها الواسع، بعد دخول المسلحين إلى تل مندو، حيث أحكموا الإطباق على قرى الهرمل. خطفوا وقتلوا جنوداً لبنانيين، تعرّضوا للمدنيين، قاموا بتطهير ديمغرافي داخل ريف القصير، واعتدوا على اللبنانيين هناك. حينها قرّر حزب الله للمرة الأولى القيام بعملٍ هجومي، بعد أن انتهج طيلة سيرته الدفاع والتصدّي وصولاً للنصر. في نيسان عام 2013 كانت الانطلاقة، ليس بهدف التحرير فحسب، بل لإخراج المسلحين والسيطرة ثم التثبيت. تدحرجت الأحداث بعدها إلى الحرب الخطرة، حرب القصير. وتجفيف معابر الموت إلى ضاحية بيروت الجنوبية.
عسكرياً، كان دوّي تنامي مهارات المقاومين صاخباً. بعث الوثائقي برسائل الرعب. تتدرّب نخبة الجيوش على تقليص المدة الزمنية إلى أقصى حدّ بين سكوت النيران التمهيدية (مدافع، دبابات...) ولحظة بدء الهجوم المباشر للمقاتلين (front attack’s interval). في تل مندو، قرّر حزب الله أن يلقّن العدو صدمة. هندس نيرانه كما يشاء، جعل ـــ كما أظهر الوثائقي ـــ من هذه المدّة الزمنية صفراً: الطلقة الأخيرة في النيران التمهيدية هي الطلقة الأولى في الهجوم! تدرّب الجيش الإسرائيلي لسنوات على الركض السريع والحركة المرنة... للوصول إلى أقصر مدّة زمنية ممكنة لذلك، فكانت أدناها سبع دقائق. أما حزب الله، فقد أرسل إلى «إسرائيل» رسالة واضحة: هذه «الصفر» ستؤرقكم في الجليل. «سوف يرون وجوهنا عن قرب»، قالها ضابط في المقاومة في إحدى الحلقات. لدى المقاومين إصابات دقيقة في التمهيد، ورجال مقدامون اقتحموا العدو تحت براكين النيران. وصلوا إلى نقاط الهجوم في نفس اللحظة التي انتهى فيها القصف التمهيدي. يُظهر كلّ ذلك تفوّق وتراكم الخبرات لدى حزب الله. في سياق مشابه، حدّد الجيش الأميركي بكل قوّته وعديده وتقدّم سلاحه، نسبة المهاجم في حرب المدن بـ4 (مهاجم) على 1 (مدافع)، استخلصها من معركتَي المدن في الفلوجة في العراق وقندهار في أفغانستان. أما في القصير، فقد كانت النسبة 1800 مهاجم لحزب الله، مقابل 3500 وصولاً إلى 4500 مدافع تكفيري بعد تقديم الدعم. أي كسر حزب الله معادلة «مهاجم/دفاع» أقوى جيش في العالم، والقاعدة الزمنية (front attack’s interval) لـ «الجيش الذي لا يُقهر». عام 2017، سقطت تلة موسى الاستراتيجية، استطاع حزب الله التفوّق في حرب الجبال أيضاً (alpine warfare). توجُّساً، بدأ العدو الإسرائيلي بسرعة في بناء الجدار الفاصل على الحدود، أدرك جيداً قدرة الحزب على إمكانيته الوصول في أي لحظة، «الجليل من الإشارة يفهم».
أخلاقياً، دحض لقاء السيّد نصر الله مع المقاومين في ليلة الهجوم على القصير كل الأقاويل. بعد اتهام حزب الله بالتعرّض للمدنيين والنازحين. لقّن نصر الله الأعداء درساً لن ينسوه، بالصوت والصورة: «التعرّض للنساء والأطفال والمسنّين حرام. أبيحت لنا دماء المقاتلين وليس أموال الناس». كان السيد واضحاً، هي معركة اعتبارات استراتيجية ومصيرية حاسمة. تمنّى تبيلغ جميع الإخوان دون «أن تنسوا أحداً». لم ينسَ القائد الأعلى أيّ تفصيل. أراد إيصال رسالته إلى الجميع، تبعتها رسالة خطيّة، بعد التقدّم الذي حقّقه المقاومون، شبيهة بتلك في حرب تموز 2006، لكن بظروف وحيثيات مختلفة، وثابتة لا تتبدّل: اليقين بالنصر.

إعداد وتنفيذ وغرافيكس مُحكم، ترجم العمليات العسكرية إلى صور ناطقة


يقول أبو طعام إنه سمع من ضباط في المقاومة قصصاً كثيرة، فلم يسمع طيلة إعداد الوثائقي من أي ضابط نسب إنجازاً لنفسه: «أطلقتُ فكرة كذاـ قمتُ بكذا». جلّ ما كان يصدر عنهم أن «الشباب أو الإخوان فكّروا كيف بدنا نقطع النهر، أو كيف نتجاوز هالعقبة»،.. عيّنة صغيرة من سخاء المقاومين. «المهم ليس الإسراع في الإنتاج، إنما تقديم وثيقة تاريخية رسمية للأجيال القادمة، توّثق التحرير الثاني، وتشهد للتاريخ عمّن حمى لبنان وظهر المقاومة ومن شكّل العامود الفقري لمحورها في المنطقة»، يشرح أبو طعام السنوات الثلاث التي خاضعها والفريق في التحضير. جاد ضباط المقاومة في التدوين. أبدعوا في التنفيذ. رسموا معالم معركة المعادلات الكبرى في الشرق الأوسط. أضفى الصوتي لأبو طعام نكهة خاصة. أبحر المشاهدون بين أصوات النيران وتعليق الإعلامي.
واجه فريق العمل صعوبة في الوصول إلى أكبر عدد ممكن من المقاومين للتأريخ الشفهي، فبعضهم استشهد، والبعض الآخر ذهب للقتال في مناطق أخرى، علماً بوجود دراسات كاملة في حزب الله للخطط والمعوّقات والدروس المستفادة بعد كل معركة، إلا أنها لا تعكس روحانية الأحداث. فبعض القصص لا تُكتب إلا بالدماء. الشهيد حمزة غملوش مثلاً خطفه صقيع النهر وهو يحاول ربط الضفتين بالحبال لمرور رفاقه. الاستشهادي قاسم زعيتر الذي احتضن عبوة ألقاها المسلّحون ليدفع الأذى عن بقية رفاقه، الفدائي الذي قاد الشاحنة أمام فوهة سلاح العدو لتأمين مرور زملائه وهو يتلقّى وابل الرصاص من كل حدب وصوب، وبقي حياً. حثّ الوثائقي على الرغبة بالتوثيق من أبوابه السبع، على أمل المزيد من الإنتاجات في غيابة التضليل الموحشة.

اشترك في «الأخبار» على يوتيوب هنا