ابتليت دراما الجريمة التي تنتجها الولايات المتحدة بالضحالة المفرطة والتبسيط المخلّ لعالم معقّد وصعب يحتمل نظريّاً عمقاً درامياً هائلاً. وهكذا تعرض كل محطة أميركيّة مسلسلها الذي ينتصر فيه الأخيار على الأشرار، والعقلاء على المنحرفين، والأجهزة الأمنيّة على المجرمين. وحتى عندما يجرؤ أحدها ويطرح موضوع الفساد الحكومي مثلاً، فإنّه يقدَّم بوصفه خللاً وخروجاً عن الطبيعي ما يلبث مرتكبوه أن يقعوا في يد العدالة!

الاستثناءات قليلة إلى درجة الاحتفاء بها: بداية من Sopranos عام 1999 ثم The Wire عام 2003، وBreaking Bad عام 2008، ولاحقاً True Detective وFargo عام 2014. بصياغات فلسفيّة متفاوتة، طرحت هذه الأعمال ثيمة الجريمة في أطر تجاوزت ثنائيات الأبيض والأسود المعتادة وقدّمت شخصيّات مقنعة ثلاثيّة الأبعاد وانتقدت صيغة فساد المشروع الرأسمالي الغربي بصفته الكليّة قبل توجيه اللوم إلى الأفراد وإدانتهم، ومع تفهّم لموقعهم على مستوى ما كضحايا للمنظومة المتوحّشة.
الدراما التلفزيونيّة عند الجار الكندي شمالاً وبحكم الواقع الموضوعي والتاريخي، لم تنتج يوماً أعمالاً يعتد بها على الصعيد العالمي وبقيت غالباً موضع استهلاك محليّ، ولا سيّما في فضاء مسلسلات الجريمة... ثمّ كان Intelligence. رغم بساطته بصريّاً مقارنة بالبذخ الأميركي المعتاد، كسر العمل بموسمَيه (2005 و2007) كل القواعد المألوفة، ونجح في تقديم مُنتج كندي متفوّق بكل المقاييس الفنية والدرامية مع معالجة عميقة مكثّفة تطرح قضايا سرد متعددة (الجريمة والجاسوسيّة وتجارة الرقيق الأبيض وفساد السياسيين والعلاقات العائليّة ومكانة المرأة في المجتمع والصحافة والخيانة والصداقة والولاء والحب) يجمعها خيط ذهبي واحد: إدانة ذكيّة نصف مبطّنة للهيمنة الأميركية على السياسة الكنديّة (على طريقة «يلعن جارة كندا» وفق كاريكاتور ناجي العلي الشهير بعدما شكته السفارة الأميركية في الكويت لمالكي جريدته) وسعيها الذي لا يشبع للسيطرة على موارد البلاد كما لو كان الجار الشمالي مجرّد حديقة خلفية لواشنطن (شماليّة هذه المرّة بعد الحديقة الخلفيّة التقليديّة في أميركا اللاتينية).
ترتكز سردية Intelligence إلى تقاطع أقدار شخصيتين فذّتين: ماري سبالدنغ (تلعب دورها باقتدار مشهود السمراء كِلييا سكوت) الضابط في إدارة محاربة الجريمة المنظّمة في شرطة فانكوفر والتي تتم ترقيتها لقيادة الجناح الغربي لخدمة الاستخبارات الوطنيّة الكنديّة الحديثة النشأة، وجيمي ريردون (يقدّم شخصيته إيان تريسي في أفضل أداء له على الإطلاق)، تاجر الماريجوانا الأهم في المدينة. الطرفان على تناقضهما، يجدان واقعيّاً أن تعايشهما من خلال تبادل المعلومات في الاتجاهين يخدم كل الأطراف: ماري تتقدم وظيفياً رغم محاصرة نادي الذكور ذوي البشرة البيضاء داخل الدولة الكنديّة لها لنجاحها في الحصول على معلومات مهمّة، وكذلك هي تُبقي صراع العصابات مسيطراً عليه وفي حدود دنيا (مقبولة) تمنع تحوّل المدينة إلى ساحة حرب، فيما جيمي يتمتع بحصانة من الاستهداف المباشر من قبل الأجهزة الأمنية ويحظى بمعلومات تساعده في إدارة علاقاته بمنافسيه، لينمو بينهما نوع من تضامن (طبقي إذا شئت) من دون الثّقة التي تبقى معلقة بينهما كجرس مزعج: فالفرق بين ما تقوم به ماري تحت اسم القانون، لا يختلف إلا في الشكل الخارجيّ عما يقترفه جيمي خارج القانون. وهما يعانيان رغم اجتهادهما اللانهائي في أشغالهما، من إرهاق ومصاعب أسرية وجنسية وموظفين غير أكفاء وشركاء تافهين وانعدام تقدير. والأهم أنّ كليهما لديه مهمّة تكاد تكون متطابقة مع مهمة الآخر: حماية كندا من «الغزو» الأميركي. ماري في مواجهة الاختراق والضغوط على أعلى مستويات الدولة الكنديّة والشركات الكبرى، وجيمي في مواجهة عصابات الجريمة والمخدّرات التي تريد التوسع في السوق الكندي بمحض القوّة، وهما في النهاية يقاتلان مستندين، بعضهما إلى بعض، ما يتبيّن بأنّه في المحصّلة رؤوس مختلفة لذات الوحش، ويتشاركان ذات التقييم للعالم جنوبي الحدود: تلك غابة تسكنها وحوش وتحدث فيها أشياء سيئة للغاية ينبغي منع تمددها إلى الفضاء الكندي الهادئ بأي ثمن. وبينما تضمحل خلال 26 حلقة الخطوط الفاصلة بين الأخيار والأشرار، وبين الشرطة والمجرمين حيث كلّ يجتهد في المكان الذي قُدّر له أن يكون فيه، يتبقّى شرير وحيد وشيطان أكبر ممسك بخناق الجميع: الأميركي.
بالنسبة إلى جيمي ومنافسيه، فإن «الأميركيين» الآتين من الجنوب ليسوا مجرّد تهديد أخلاقي أو قانوني فحسب، بل هم تهديد وجودي، يتطلب محض التضامن بين مختلف القوى الكنديّة المحليّة في فانكوفر. وهكذا يدعو جيمي لاجتماع قيادات فصائل عصابات المخدّرات للتعهد بوضع الضغينة والخلافات السابقة جانباً ومواجهة «التمدّد» الأميركي. يشرب الجميع نخب التحالف (الوطني) الجديد على طاولة الزعيم التلقائي للمقاومة، الجنرال جيمي. إنها لحظة نادرة للوحدة، مثيرة حتماً لجميع الكنديين – والمستضعفين عموماً - حقيقية كانت أو متخيّلة: سنقاتل الغرينغوز.
كريس هادوك (صانع العمل) هنا يزيل بقسوة الواقع صورة كندا البريئة الساذجة - مرموزاً إليها بالمياه الكثيرة العذبة النقيّة - ويعيد صياغة عقد اجتماعي جديد يجمع الكنديين، على تنوّع أصولهم ومنابتهم مع غياب كليّ لأهل البلاد الأصليين، في هويّة قوميّة واحدة نقيضة «الأميركيّ» الذي يُستخدَم اسمه حصراً للدلالة على غزو إجرامي لا يرحم ومفتقد للعقل، مستعيداً أجواء لحظة مواجهة وانتصار كندي نادر سابق ضد ذات الغزاة (حرب 1812).
هذا النقد الموجع للفساد السياسي الذي يحمله المسلسل، وتلوينه السلبيّ لتغلغل الأميركيين بأنواعهم في الشأن الكندي (دبلوماسيون ورجال استخبارات ومجرمون لا فرق) جاء في وقت لم يكن مؤاتياً للظرف السياسي المرحليّ للعلاقة بين الجانبين: الأميركيون يعيشون بارانويا فترة جورج دبليو بوش ومرحلة «إذا لم تكن معي فأنت حتماً ضدّي»، فيما تحاول السلطات الأميركيّة بالفعل (كما في المسلسل أيضاً) فرض امتلاك حقوق وصول لموارد المياه الكنديّة عبر ضغوط غير معلنة وتحت غطاء اتفاقيات شراكة الأمن والازدهار لأميركا الشماليّة ومنظمة التجارة العالميّة (تعاني الولايات المتحدة من نقص يزيد عن 35 في المئة من الموارد المائيّة بينما تتمتع كندا بفائض كبير). وبحسب الالتزامات التي وقّعتها حكومات اليمين الكندي المحافظ المتعاقبة، لا تستطيع أي حكومة كندية في المستقبل أن توفر المياه لمواطنيها بشكل قانوني إلى أن يتم الوفاء بالاحتياجات الأميركية حتى في أوقات الطوارئ الوطنية، وقاومت تلك الحكومات بشكل دوريّ كل محاولات المراكز الأكاديمية المتخصّصة للدفع باتجاه إعادة صياغة العلاقة مع الولايات المتحدة في هذا الشأن. ويبدو، بحسب تكهنات فريق العمل وصحافيين ومراقبين على اطّلاع بدواخل العلاقات الأميركيّة / الكنديّة أن السلطات الأميركيّة مباشرة (أو عبر نظيرتها الكنديّة) مارست ضغوطاً على تلفزيون «سي. بي. سي» لإلغاء المسلسل، وهو ما حدث تالياً، بداية عبر وقف الترويج للمسلسل وإهمال إشراكه في المهرجانات والجوائز، ومن ثم عدم التجديد لموسم ثالث، رغم شعبيّة العمل الكبيرة في كندا، والتقييمات الإيجابية العديدة التي حصل عليها من أهم النّقاد والجوائز (المحليّة) التي تُوّج بها.

يطرح قضايا متعدّدة كتجارة الرقيق الأبيض وفساد السياسيين والعلاقات العائليّة ومكانة المرأة في المجتمع والصحافة


دراميّاً، ومع أنّ اشتباك شخصيتَي ماري وجيمي يمثّل مركز التوتر المستمرّ في النصّ، فإن ذلك لم يعن على الإطلاق بأن الشخصيات الأخرى العديدة ليست مثيرة للاهتمام، بل يعيش معظمها ويطوّر معضلاته الوجوديّة والأخلاقيّة الذاتيّة في إطار المسرح الكبير عند خط التلاشي بين الصواب والخطأ والقانوني واللاقانوني، وتضيف تعقيداً وتلويناً على مشهد معقّد وملوّن أصلاً. يلعب مات فريوير دور تيد الموظّف في دائرة الجريمة المنظّمة الذي يستمتع إلى حدّ التّماهي في لعب مهامّ وظيفته مهما اتسخت يداه ولاحقته الإحباطات المهنيّة، لكن دائماً على حساب فراغ قيميّ وعاطفيّ يليق بصحراء بائسة، وهو يخوض حرباً بلا هوادة لخلافة ماري على رئاسة الدائرة لا تختلف مطلقاً عما قد يقدم عليه موظّف طموح في أيّ من الشركات الكبرى. هناك أيضاً روني، الذراع اليمنى لجيمي (جون كاسيني الذي يقدّم أداء مهيباً في دور الوزير المؤتمن)، وأيضاً الزوجة السابقة لجيمي المدمنة على المخدّرات فرانسين (كاميل سوليفان)، ومدير عمليات دائرة الجريمة المنظّمة مارتن كينيسكي (إيجوبن ليبنسكي) وغيرهم.
في آخر مشهد من الموسم الثاني، يسقط جيمي ريردون تايكون الماريجوانا في فانكوفر مضرّجاً بدمائه على بوابة نادي التعرّي الذي يمتلكه إثر إطلاق النار عليه مرات عدة من سيارة عابرة. هل نزف الرجل حتى الموت أم تمّ إنقاذه؟ وهل سينجح تحالف تجار المخدّرات الكنديّين في التصدّي للموت الأميركي القادم من الجنوب؟ الإجابة: لا نعرف! إذ أن سرديّة المسلسل ونهاية الموسم الثاني، كانتا تنبئان بموسم ثالث، قبل أن تتخذ المحطة المنتجة قرارها (الغادر)، الأمر الذي كان ترك الباب مفتوحاً على الاحتمالات: عودة مستحقة لموسم أخير (أو أكثر) أو موت نهائيّ. مع ذلك، ربما لا تزال هناك فرصة وإن ضعيفة لحياة جديدة لهذا المسلسل المبهر. فقد عُلم بأن كريس هادوك أعدّ بالفعل نسخة مطوّرة منه تنقل المواجهة إلى عقر دار الأميركي في سان فرانسيسكو ويسعى لبيعها إلى منتج جديد. ونقل عنه قوله تعليقاً على ذلك: «أنا لا أستسلم أبداً. وما زلت أعتقد أنّ كل شيء في هذا العالم يمكن أن يفهم بعيون صفقة مخدّرات».
Intelligence فئة نادرة من أرقى أعمال دراما الجريمة التلفزيونية. لا مبالغات فيه أو ميلودراما زائدة: الناس هنا هم جميعاً بشر جداً، واستخدام بعضهم البعض في صراع البقاء يحدث من دون كبير انفعال في إطار سرديّة مشوقة وطرح مقنع بأنّ جميع القوى المجتمعيّة داخل وخارج تعريفات ذلك المجتمع القانوني متشابكة بشكل ما، وأنها جميعاً مجرد تلوينات على ذات مأزق الاغتراب الإنساني في عالم الرأسماليّة المتأخّرة.

اشترك في «الأخبار» على يوتيوب هنا