على وقع محاولة قتل «سلمى» (نيللي كريم)، ينطلق مسلسل «ضدّ الكسر» (تأليف عمرو الدالي، إخراج أحمد خالد) في قالب تشويقي مثير، تتشعّب ضمنه الأسئلة حول ما جرى وتذهب أصابع الاتهام في اتجاهات متعدّدة. يتقصّد صنّاع العمل إيهامنا بأنّ وقوع «سلمى» مضرّجة بدمائها على درج منزلها ودخولها في غيبوبة، سيشكّلان محور الحبكة على أن تبدأ مرحلة سرد الأحداث بطريقة استعادية. مع مرور الوقت، تطاول الشكوك شخصيات جديدة ربّما كانت لديها دوافع. بدءاً من زوج البطلة «كريم» (محمد فرّاج)، مروراً بالصديقة المقرّبة «نادين» (لقاء الخميسي) و«عزّة» (عاملة المنزل)، وليس انتهاءً بـ «صلاح» (مصطفى درويش)، الرجل الذي يسود الغموض ماضيه مع «سلمى». غير أنّ كلّ ذلك لا يعدو كونه زوبعة تشويقية تمهّد الأرضية لقصة مختلفة تماماً. عن سبق إصرار، يوقعنا الكاتب في حيرة ويضيع البوصلة، مغرقاً إيّانا في سيل من الاحتمالات. لكن سرعان ما ندرك أنّ ما حصل كان مجرّد نتيجة شجار حادّ بين «سلمى» وشقيقتها الصغرى «ليلى» (نور إيهاب) التي دفعتها بقوّة. فالشابة كانت غاضبة من اعتراض أختها على علاقتها بـ «مالك» (أحمد أبو زيد).

الموضوع هنا لا يرتبط بحادثة معيّنة وبالتطوّرات التي أدّت إلى وقوعها أو التبعات الناتجة عنها. لبّ الحكاية يطرح موضوعاً آنياً من صلب واقعنا الحالي. البطلة «سلمى» هي مدوّنة طبخ لمع نجمها في غضون فترة وجيزة على منصات التواصل الاجتماعي. تعيش حياةً فارهة في أحد المجمّعات السكنية الراقية في القاهرة مع زوجها الذي يعمل في مجال العقارات، وأفاد بدوره من شهرتها بعدما ساندها سابقاً. وصلت هذه المرأة الثلاثينية إلى هذه النتيجة بعد رحلة طويلة مع الفقر، تحمّلت خلالها مسؤولية أمّ وشقيقتين على إثر وفاة الوالد. تختصر شخصية «سلمى» مروحة واسعة من مشاهير السوشال ميديا العرب، خصوصاً أولئك الناشطين في مجال الطبخ. صور، فيديوات وبثّ مباشر... محتوى تتشارك من خلاله البطلة المولعة بكلمة «ترند» تفاصيل جوانب مختلفة من حياتها الشخصية مع المتابعين.
لكن خلف هذه الصورة البرّاقة الكثير من الغيرة والحسد والخيانة الآتية من الأقربين. مواقف عدّة، ستُرخي بظلالها على «سلمى» التي ستمسي وحيدةً في منزلها الفخم. خسارات متلاحقة وضربات موجعة، ستتصدّى لها البطلة، مستخدمة منصاتها الافتراضية أحياناً لتناول مسائل اجتماعية انطلاقاً من ألمها (الدعوة إلى فضح المتحرّشين مثلاً).

يخوض المسلسل في عالم مشاهير السوشال ميديا


في العمل الذي يؤخذ عليه بطء الأحداث والإيقاع بعد حلقات أولى مليئة بالتشويق والإثارة، اعتمد المخرج أسلوبَيْن مختلفَيْن في التصوير: مساحة حالمة وجذابة خُصّصت لنقل تنفيذ الوصفات المطبخية، وأخرى شديدة الواقعية تنقّل فيها بسلاسة بالغة بين الماضي الأليم والحاضر الذي لا يقلّ ألماً.
ومع عرض الحلقة الـ 22 مثلاً، سنبدأ باكتشاف تفاصيل الصعاب التي مرّت بها «سلمى» التي أُرغمت على ارتداء ثوب القوّة، واجتهدت بما أوتيت من إمكانات لتبلغ مرادها. إلا أنّ ما حققته هذه المرأة العصامية الذكية، دفعت في مقابله أثماناً باهظة، خصوصاً نفسياً. على سبيل المثال، يحمّلها زوجها مسؤولية خيانته لها كونها دائمة الإهمال له، كما تكتشف غيرة صديقتها المقرّبة الشديدة منها، وتلومها أختها «ملك» على مشاكلها وزواجها من رجل لا تحبّه...
المسلسل الذي يستقي أحداثه من يوميّاتنا التي صارت السوشال ميديا جزءاً أساسياً فيها، يضيء أيضاً على جوانب معتمة من واقعنا الحافل بالطعنات والانتكاسات الآتية من كلّ حدب وصوب. من انهيار الصداقات التي يفترض أن تكون متينة، إلى الخيانة الزوجية والمشاجرات العائلية والعلاقات الأسرية (كريم ووالده مثلاً)، ليخرج أمامنا نموذج تمثّله «سلمى» للمرأة القوية والذكية، التي تنجح في أحلك الظروف في التخطيط لردّ الاعتبار بهدوء سيسبق العاصفة.
وهنا، لا بدّ من الإشادة بالخيار الذي اتخذته نيللي كريم في رمضان 2021 بعد النجاح الكبير الذي حققه مسلسلها الكوميدي «بـ 100 وش» (قصة وسيناريو وحوار أحمد وائل وعمرو الدالي، إخراج كاملة أبو ذكرى) العام الماضي. بنضج واضح، تقدّم الممثلة المصرية هذه الشخصية الآتية من صلب واقعنا، وتنقل لنا تبدّلاتها وتحوّلاتها ومشاعرها المتناقضة وردود أفعالها بسهولة ممتنعة. ففي «سلمى» عناصر لافتة عدّة، أهمها الطموح وقوّة الشخصية والسعي لتحقيق النجاح والشهرة، من دون أن ننسى أيضاً الأداء المتمكّن كالعادة لمحمد فرّاج الذي يلتقي بنيللي للمرّة الرابعة، بعد مسلسلَيْ «تحت السيطرة» (2015) و«سقوط حرّ» (2016) بالإضافة إلى المسلسل الإذاعي «اعترافات خوخة» (2018).
عادةً، يلازم مصطلح «ضدّ الكسر» عالم الأجهزة الإلكترونية والهواتف الذكية. لكنّه يلازم أيضاً عالم «سلمى»، لتستحيل وسط كل هذه الإنتكاسات، امرأة... «ضدّ الكسر»!.

«ضدّ الكسر»: cbc (س: 23:15)، «دبي» (س: 19:00) و«شاهد VIP»

اشترك في «الأخبار» على يوتيوب هنا