ليس هناك شكّ في أنَّ الدراما المصرية تعيش أحد أفضل مواسمها الرمضانية. إذ تقدّم دراما متنوعة تقريباً تناسب جميع المشارب، وتبتعد هذه المرة عن معتادها خلال السنوات التي خلت. يمكن القول بأنَّها قد قطعت شوطاً في الخروج من عباءة الماضي، تقدماً نحو مستقبل مختلف. يأتي «خلي بالك من زيزي» واحداً من المسلسلات التي تخرج من عباءة المعتاد المصري: إنها حكاية فتاة «غير عادية» تغوص في حياتها طوال حلقات المسلسل. قُدّمت القصة بطريقة سَلِسة وسهلة، وتشبه الكثير من الأفلام التي يسمونها عادة بالأفلام الخفيفة. المسلسل يخرجه الشاب كريم الشناوي وتشرف مريم نعّوم على كتابته فيما تكتبه منى الشيمي ومجدي أمين.

بداية، لم يكن موفقاً الاتكاء على رائعة صلاح جاهين وسعاد حسني «خلي بالك من زوزو»، واستعارة اسمها، وتحويله إلى «زيزي». إذ أن سعاد حسني واحدة لن تتكرر. وعلى الرغم من مقدرة أمينة خليل المتميزة، لكنها لم تصل إلى مرحلة المقارنة مع سعاد حسني، وهو أمرٌ يؤذي الممثلة الشابة قبل أي شيء. يُذكر أن استعارة أسماء الأفلام الكلاسيكية والتعديل عليها، عادة دأبت عليها بعض الأفلام الكوميدية المصرية ذات المستوى المنخفض والرديء، فكان مستغرباً جداً فعل ذلك مع مسلسل «جميل» وفيه «حرفة». حكاية العمل تُختصر بزيزي، المصابة بأنوع من الوساوس؛ التي لا يمكن تصنيفها على أنّها «مرض». لكنّ المسلسل ينحو ناحية ذلك، هي تريد الإنجاب بأي طريقة.

أمينة خليل واحدة من أفضل ممثلات جيلها، لا مصرياً فحسب، بل أيضاً عربياً

نكتشف كمشاهدين بأن الـMcgaffin أو «المشتهى» -من مدرسة الكتابة الإبداعية- لها هو «الإنجاب»، خصوصاً في الحلقات الأولى. إنّها «مندفعة» و«انفعالية» و«غاضبة»، تتحدّث بسرعة، غير منظّمة أو مدركة لما حولها، سواء قانونياً أو منطقياً. الشخصية التي تمتلكها زيزي هي قوّة المسلسل وميزته، فالبطل المكسور، كما قدّمه الكاتب الشهيد غسان كنفاني، هو أقرب الأبطال إلى عقول القرّاء وقلوبهم. يحب المشاهدون زيزي وسيحبونها دوماً، ذلك أنّها تشبه معظمهم، بأخطائها وعيوبها، وإن كانوا لا يمتلكون عيوبها بالضبط. هشام عسل (علي قاسم)، زوج زيزي الذي تطلقه في الحلقات الأولى، يحاول قدر الإمكان تقبّلها والتعامل معها بكل ما أوتي من قوة، هو يحبّها ويخافها في آن. لا يخافها بالمفهوم البسيط للخوف، هو يخاف أنه لن يستطيع مجاراتها، أو إرضاءها، أو حتى التعامل مع نوباتها الافتراضية. على الجانب الآخر، هناك مراد الفرماوي (محمد ممدوح) المحامي الذي تتقرّب منه زيزي بغرض التخلّص من مشاكلها القانونية، خصوصاً بعد القضايا التي رفعها عليها زوجها بإلحاحٍ من أخيه. وشأنه شأن كثير من المسلسلات الناجحة هذا العام، يضم المسلسل بين جنباته ممثلين قديرين أمثال بيومي فؤاد بدور والد زيزي، والقديرتين سلوى محمد علي، وصفاء الطوخي، صبري فواز، وبالتأكيد النجم المبدع محمد فرّاج.
أدائياً؛ تأتي أمينة خليل، واحدةً من أفضل ممثلات جيلها، لا مصرياً فحسب، بل أيضاً عربياً. تمتلك الممثلة الشابة مقدرةً عالية على تغيير جلدها، فضلاً عن مقدرة أداءٍ تجعلها متمكنة، وهي لا تتكئ نهائياً على جمالها وعلى الماكياج أو عمليات التجميل. تستطيع خليل الأداء بصورةٍ تلقائية عالية، ما يجعلها «تلبس» الدور بسهولة بالغة. إنها قادرة على أن تكون شخصية غامضة/شريرة كما في «قابيل» العام الفائت، أو الفتاة البريئة والضعيفة كما في فيلم «الكنز» أو الشابة الهادئة ذات الطموح والشخصية القوية كما في «لا تطفئ الشمس» أو الصبية الـclumsy، التائهة، التي لا تستطيع ترتيب شيء على شيء، كما في هذا المسلسل.
ترسم خليل شخصياتها وتختارها كي تظهر حرفتها أكثر. الكلام نفسه ينطبق على القدير محمد ممدوح، الذي لامه كثيرون في السابق عن أنه يتحدث خلال تنفّسه، بطريقةٍ تمنع المشاهدين من فهم ما يقوله. ممدوح «فلتة تمثيل»، يستطيع فعلياً أداء أي دور بمهارة منقطعة النظير. هو قادر على أن يكون «وحشاً منعدم العقل والضمير» كما في فيلم «تراب الماس»، أو شاباً خجولاً يخاف كل شيء كما في مسلسل «لا تطفئ الشمس»، ومحامياً ذكياً وماهراً كما في هذا المسلسل. من جهة أخرى، كانت الكيمياء بين البطلين كبيرة، خصوصاً أنها ليست المرة الأولى التي يتشاركان في بطولة عمل درامي.
إخراجياً، يمكن اعتبار طريقة عمل المخرج الشاب كريم الشناوي جميلة. حاول قدر الإمكان التصوير في أماكن الضوء، واستعمال الشمس والأماكن المفتوحة، وهذا يُحسب له. أيضاً، لجأ إلى استخدام التقنيات ووسائل التواصل الحديثة، كالهواتف، واللابتوب وTap لإظهار الواقع الحالي المعاش. بالنسبة إلى النص المكتوب فقد كان جيداً، لكن يمكن القول بأنه في بعض الأحيان بدا ثقيلاً، وفي أحيانٍ كثيرة خفيفاً للغاية. بطبيعة الأحوال فكرة ورشة الكتابة للدراما هي أفضل بكثير من التجارب السابقة حيث الكاتب الواحد. وقد نجحت مريم نعّوم في قيادة أوركسترا المسلسل مع الكاتبين مني الشيمي ومجدي أمين.

اشترك في «الأخبار» على يوتيوب هنا