فعلَها المخرج النرويجي لارف كليفبيرغ إذاً. لعبَ الرجلُ في الميدان الصحيح. استثمرَ جملةً من المعطيات، نصب فخّاً قليل الإحكام منتظراً وقوع الكثير من الضحايا فيه، وكسب الرهان. بعدَها، خرجَ ليخبرنا بالفم الملآن ما مفادُه أنّه ضحكَ علينا، أنّه خاض رهاناً يعتمد في الدرجة الأولى على غباء الرأي العام. هل يشعرُ أحد أن الجملة قاسية ويرغب في تلطيفها؟ لا بأس، فلنزعم أنّ رهانه كان يعتمد على حواسنا المرهفة تجاه قضية خطيرة من طراز «الأطفال في مناطق النزاع».


لكن أليست النتيجة واحدة؟. ها هي الجهة المُنتجة (معهد الفيلم النرويجي) تُعبر على لسان مفوضة الأفلام القصيرة آسي ماير عن صدمتها إزاء تصديق الناس فيديو «طفل سوري بطل» مع العلم «أنه يستحيل أن يُصاب الطفل بأكثر من رصاصة ويتابع سيره، كما أن عدم ظهور دماء على ثيابه يُفترض أن يكون دليلاً واضحاً على عدم صدقية الفيديو». لكنّ الأمانة تقتضي الإشارة إلى الكثير من التعليقات التي انتشرت عبر مواقع التواصل الاجتماعي، وعلى يوتيوب تحديداً في ذيل المقطع. تعليقات يجزم أصحابُها أن الفيديو مفبرك، ويستدلّون على ذلك بكثيرٍ من المؤشرات، ومن بينها ما قالته المفوّضة. اللافت – وغير المفاجئ – أنّ أصواتاً كثيرةً خرجت في المقابل تشتم أصحاب تلك التعليقات، بل قل: تُكفرهم على طريقة «داعش» وتتهمهم بانعدام الانسانية، وموت الضمير... وذهب بعضهم بعيداً، مُقدماً تفسيراتٍ وتفنيدات من قبيل أن «الطفل لم يُصب، بل تظاهر بذلك ليخدع القنّاص»، لتكتمل بذلك مقومات الـ «Hero»، من شجاعة وذكاء خارقَين، وحسن تصرّف، وسرعة بديهة. لا يُقصد بكل ما سبقَ أن يتحول إلى «لائحة اتهام» تُشهر في وجه المُصدقين، فـ «الكذبة» احتوت على «طفل بطل»، و«طفلة ضحيّة»، و«قنّاص مُجرم»، وجميعها يدور في فلك حربٍ دموية حقيقية. مكوّنات كفيلة بجرّ العواطف من أذنها، وتحييد العقول، وهنا مربط الفرس. إذ تكاد رغبة مختلف الجهات في «تحييد العقول» أن تكونَ أبرز العناوين العريضة للحرب السورية. رغبة آتت ثمارها في كثير من الأحيان، ليغدو الاستلاب وصمةَ عار على جبين «الرأي العام». المفارقة أن المخرج النرويجي أكّد أنه كان يهدف إلى «الترويج للدفاع عن معاناة الأطفال في سوريا»، لكن من سيدافعُ؟ ومن هو المستهدفُ بالفيديو/ الخدعة؟ هل هو الرأي العام المستلب ذاته؟ أم هو «المجتمع الدولي»؟ هذه الجملة التي بات ذكرُها أشبه بإطلاق نكتة سمجة ممجوجة لا تثير شهيّة أحد للضحك؟. وهل من الممكن الرهان على «كذبة» لنفخ العقل والروح في مُستلبٍ وميت، في حين عجزت آلاف الحقائق الدموية عن فعل ذلك؟. وفي ظل شبه تسليمٍ باستحالة نجاحه في ذلك، هل لنا أن نراهن على تحول الفيديو مدخلاً إلى إعادة فتح نقاشات قديمة، كاد يبدو من المسلّم به أن لا طائل من ورائها؟.
نقاشات حول قضايا حساسة كانت «الأزمة السورية» منذ بداياتها ميداناً لها، على رأسها قضيتا الطفولة والبروباغندا، وما يتفرّع عن دمجهما من مواضيع شائكة؟ وفي ظل مسارعة الكثير من الشاشات إلى عرض الفيديو، وتبنيه (قبل اتضاح حقيقته) ومن دون أدنى تدقيق أو تمحيص، هل لنا أن نتساءلَ مثلاً عن معنى «الاحترافية» التي تتغنى بها وسائل الإعلام التقليدية، فيما هي تتحول إلى ناقل ببغائي لما يدور على مواقع التواصل الاجتماعي؟ وهل يمكن أن نُفكر في انتقاد المخرج النرويجي، واتهامه مثلاً باستغلال عواطفنا من دون أن ترن في أذهاننا القاعدة الذهبية: «القانون لا يحمي المُغفلين»؟.