باتت عبارات «تحرير فلسطين»، و«المقاومة حتى النصر» و«هزم العدو الإسرائيلي» تصنّف «لغة خشبية» في بعض الصحف العربية. بعض رؤساء التحرير العرب يسبقون الزعماء السياسيين أحياناً إلى استنكار إطلاق الصواريخ على العدو، وأقلام الرأي تدعو صراحة الى تسليم السلاح وتوقيع سلام مع إسرائيل. وسط هذا التراجع المدوّي لدور الصحافة العربية في دعم القضية الفلسطينية والدفاع عن حق المقاومة، خرجت صحافية إسرائيلية لتذكّر بقدسية هذا الحق وبضرورة الحفاظ عليه. أميرة هاس اليسارية صاحبة التاريخ الطويل بالمواقف الداعمة للفلسطينيين، كتبت مقالاً هزّ الاوساط الإعلامية الإسرائيلية والغربية قبل أيام. وكالعادة، انهالت على هاس المقالات المضادة التي تنضح بالكراهية والعنصرية، كما تلقت الصحافية رسائل الكترونية واتصالات مهددة. سبب الضجة؟ مقال دافعت فيه هاس عن حق الفلسطينيين في تعلّم المقاومة منذ الصغر وواجب الصمود في وجه المحتل.


«بات منطقياً أن تخصّص المدارس الفلسطينية حصصاً لتعليم المقاومة لتلاميذها: كيف يبنون أبراجاً وجدراناً شائكة، كيف يتصرفون عندما يقتحم الجنود منازلهم، كيف يميّزون الجنود الذين يكبّلونهم أرضاً في الشاحنة العسكرية كي يقاضوهم في ما بعد». هكذا كتبت هاس في مقالها في صحيفة «هآرتس» الأسبوع الماضي. وتابعت «إن رمي الحجارة هو واجب كل مَن يخضع لحكم أجنبي، وهو الحق الذي يولد معه. وهو أيضاً فعل مقاومة والصورة المجازية لها». مراسلة «هآرتس» في فلسطين المحتلة منذ عام 1993، شرحت في مقالتها طبيعة فعل رمي الحجارة كتعبير عن غضب وسأم من المحتل. «لقد سئمنا منكم أيها المحتلّين، يقول رماة الحجارة بفعلهم»، تلخص هاس. ودافعت الكاتبة التي تقيم في رام الله، عن واجب «مقاومة العنف الجسدي والنفسي الآني واليومي المنظم من قبل المعتدين الاسرائيليين». «الصمود» هكذا سمّته هاس، مضيفةً «مستوى الحزن والألم والاختناق والخوف عند الفلسطينيين يزداد يوماً بعد يوم، كذلك بالأمر بالنسبة إلى العمى الإسرائيلي المرتبط بإيمان هؤلاء بأنهم سيسيطرون على الاوضاع الى الأبد من خلال عنفهم». يخضع عامود هاس في «هآرتس» لتعرفة مالية لقراءته بالكامل، لكن تلك المقتطفات نقلتها الصحف الغربية التي أشارت أيضاً الى تلقي الصحافية تهديدات كثيرة بعد نشر مقالها. الصحف الإسرائيلية من بينها مقال نُشر في «هآرتس» أيضاً، اتهمت هاس «بالتحريض على قتل الإسرائيليين» فيما رفع مجلس «ييشا» الذي يمثل المستوطنين شكوى ضد الصحافية لدى الشرطة وطالب بالتحقيق معها بتهمة «التحريض على العنف والإرهاب».
ما زالت أميرة هاس تكتب ضد المستوطنين وتدعو محمود عباس إلى إرسال الجرافات وإزالة العوائق الاسمنتية عن مداخل القرى الفلسطينية. وما زالت بواقعية تسمّي الأشياء بأسمائها: «حق المقاومة وواجب الصمود». مَن يدري، قد يخرج بعض الصحافيين العرب ليتّهموها بـ«الإرهاب»!