الجزائر | منذ نحو شهر، يشبه الوضع في الجزائر فيلم إثارة. بين تسريبات صحف فرنسية عن تدهور صحة الرئيس عبد العزيز بوتفليقة (1937)، وتطمينات رسمية من الداخل، اتسعت دائرة الشائعات، واشتدت حالة التضييق على الصحف المحلية. وأول من أمس الأحد، منعت وزارة الاتصال صحيفتي «جريدتي» و«مون جورنال» الناطقة بالفرنسية من الصدور بسبب نشرهما ملفاً عن الوضع الصحي لبوتفليقة.


وأمرت النيابة العامة لدى مجلس قضاء الجزائر أمس بفتح تحقيق قضائي مع مدير الجريدتين هشام عبود (1955) بتهمة «المساس بأمن الدولة والوحدة الوطنية والسلامة الترابية واستقرار المؤسسات وسيرها العادي (..) اثر التصريحات المغرضة المدلى بها لبعض القنوات الإعلامية الأجنبية، منها «فرانس 24» بخصوص الحالة الصحية للسيد رئيس الجمهورية، حيث صرح بأنّها قد تدهورت حدّ إصابته بالشلل».
بعد سنة ونصف سنة على المصادقة على قانون الإعلام الجديد الذي يُفترض أنّه جاء حماية للإعلاميين في الدرجة الأولى ودفاعاً عن حقهم في الوصول إلى مصدر المعلومة، برز في اليومين الماضيين ما اصطُلح على تسميته «قضية هشام عبود» لتعيد التساؤل عن صدقية وعود السلطة في الحفاظ على مسافة تصون قطاع الاعلام المستقل، وأحقية الصحافي في الادلاء بما لديه من معلومات من دون خوف من الملاحقات القضائية. ورغم أنّ الملفّ الذي أعدته صحيفتا «جريدتي» و«مون جورنال» لم يتضمن جديداً عن وضع الرئيس الصحي، بل استند في الأساس إلى ما جاء في الصحيفة الفرنسية «لوبوان»، مع تسريبات مقتضبة تحدثت عن نقل بوتفليقة من باريس إلى الجزائر فجر الأربعاء الماضي، فقد أثار حفيظة وزارة الاتصال والإعلام. وطلبت الأخيرة من مدير الصحيفتين مساء السبت الماضي سحب صفحتي الملف، وهو «أمر مستحيل. حتى لو وافقت، لما كان ذلك ممكناً تقنياً» بحسب عبود. وتحجّجت المطبعة بالمادة 92 من القانون التي تنص على أنه «يجب على الصحافي احترام شعارات الدولة ورموزها والتحلي بالاهتمام الدائم لإعداد خبر كامل وموضوعي، ونقل الوقائع والاحداث بنزاهة وموضوعية، وتصحيح كل خبر غير صحيح»، إضافة إلى المادة 93 من القانون نفسه التي «تمنع على الصحافي انتهاك الحياة الخاصة للشخصيات العمومية بصفة مباشرة أو غير مباشرة». علماً أنّ الأخيرة مادة قانونية شاملة تفتقد إلى التدقيق، لينتهي الأمر بعدم سحب الصحيفتين، وتتبرأ الوزارة لاحقاً من قرار المنع، بعدما اعتبرت مصادر من الوزارة نفسها عنوان الموضوع الذي كان سيصدر في الجريدتين «تهويلاً». من جهته، تأسّف هشام عبود (ضابط سابق في الجيش) من ازدواجية النظام في التعامل مع الاعلام، قائلاً «لما تنشر صحيفة أجنبية خبراً عن صحة الرئيس فلا حرج في ذلك. أما أن تنشر الخبر نفسه صحيفة جزائرية، فتلك مشكلة». ومند أول من أمس، طغت قضية منع الصحيفتين وإحالة مديرهما إلى التحقيق على قضايا الرأي العام، وغطت على متابعة ملفات الفساد التي برزت، بشكل لافت خلال الشهرين الماضيين. والتف عدد من الصحافيين الجزائريين حول عبود دفاعاً عن حق الصحافة المستقلة في الجزائر في المقام الأول، وعن مكتسبات بدأت تفقدها تدريجاً. وتساءل الكاتب والصحافي محمد بن شيكو (المدير السابق ليومية «لوماتان» التي أوقفت عام 2004): « ما ذنب هشام عبود؟ هل أذنب بتقديم معلومة خاطئة أم بالتصريح بمعلومة صحيحة، لكن قبل الاوان؟» معتبراً أنّ التضييق الممارس على الصحيفتين «ليس سوى عودة إلى محاكم تفتيش القرون الوسطى».