رن هاتفي، ليتناهى إليّ صوت بالانكليزية: «أرجوكم قولوا الحقيقة كما رأيتموها. أردوغان يحاول تصويرنا كإرهابيين ليبرر معاملة الشرطة العنيفة. هناك مئات الجرحى. قولوا ما رأيتم. الاعلام التركي يحتمي بالشرطة ويصوّر وجهة نظرهم. لا تصدقوهم». كان المتحدث شاباً في العشرين. هو حالم كبير وطاقته الايجابية معدية.


حين رآنا نصوّر في حديقة «جيزي» في ميدان «تقسيم»، طلب أوراقنا ليعرف أي قناة نحن. حين تحدثنا معه، كان سعيداً بمشاركتنا أفكاره عما يحصل منذ أسبوعين في بلاده وأوجه المقارنة مع ما حدث في مصر وتونس مثلاً. طلب الشاب التأكد من هوياتنا الصحافية سببه منع المعتصمين لوسائل الاعلام التركية من دخول حديقتهم التي تشبه مخيّم كشافة.
ليس الوحيد في ذلك. كل من قابلنا في ميدان «تقسيم» وحديقة «جيزي» حمل الموقف نفسه من الاعلام التركي. التلفزيونات لم تنقل أياً مما حدث في «تقسيم» خلال أول أيام الاشتباكات. «أردوغان يطبق على حرية التعبير بكل أشكالها. هناك صحافيون معتقلون لمجرد مخالفتهم الرأي، فكيف سيتحمّلون تغطية ما يحدث الآن؟» يقول أحدهم. إحدى الصبايا قالت إنّ أردوغان وصف المعتصمين بالرعاع وساعده الاعلام في تكريس هذه الصورة داخلياً. تركيز وسائل الاعلام التركية على الاضرار التي سببتها الاشتباكات مع الشرطة أضرّ بصورة الحراك الذي يتواضع منظموه ولا يلصقون به لقب «ثورة». «الكلمة كبيرة» يقول مسؤول في «تنسيقية تقسيم» مضيفاً: «نحن حراك شعبي عفوي ولدينا مطالب واضحة. لكن السلطات تعتقد أنّها ستكسب بقمعها لنا. نحن من يكسب يومياً مزيداً من الدعم رغم تغييب الاعلام عنّا». أحد الشبان لا يدري كيف صارت حديقة «جيزي» جزءاً منه. خريج كلية الفنون الجميلة (تصوير) يلف تركيا ليصوّر بلا مقابل أحياناً لأنّه لا يجد عملاً لائقاً بشهادته. خلال سفره، شهد مظاهر البؤس والفقر والظلم في بلاد تسوّق على أنّها واحة الرخاء الاقتصادي. كل ما صوّره عن حقيقة ما يحدث، لم ينشر في المجلات والصحف. في الاعلام التركي، «هناك رقابة طيب» يقول. هو لا يدري ما إذا كانت رقابة فعلية أو ذاتية، لكنه أكيد أنّ هناك من لا يريد للحقائق أن تنكشف. هو ورفاقه مجموعة فنانين استعملوا فايسبوك وتويتر للحشد في غياب وسائل الاعلام التقليدية عن حراكهم. لذا لا يستغربون وصف أردوغان لتوتير وفايسبوك بـ «الوسائل الهدامة للشباب»! صبية تدرس الحقوق أقرت بأنّها تتظاهر ضد تواطؤ الاعلام على مطالب الشعب: «اعلام اردوغان يعرض وجهة نظره فقط. يريد أن يكون سلطاناً جديداً. حتى أبي لا يتدخل بحياتي كما يفعل طيب». لا عجب أن يغيب الاعلام التركي عن المشهد. لكن هؤلاء الشبان واثقون أنّهم سيغيّرون وجه تركيا. ربما هم حالمون، لكن ما الذي يملكونه أمام التغييب والتهميش والاقصاء وقنابل الغاز سوى أن يعملوا لتحقيق أحلامهم؟ وما الذي يفترض بصحافية مثلي أن تفعله سوى نقل صوتهم أمام هذا التغييب الكامل؟
* موفدة «الميادين» إلى تركيا