لم تكن ثلاثة أيام قد مرّت على انطلاق الشرارة الأولى للثورة، حتى كشف موقع «ويكيليكس» عن برقية صادرة عن السفارة الأميركية في القاهرة في عام 2009، تكشف الدور الكبير الذي أدّاه المدوّنون في رفع سقف الحرية، وتوسيع هامش النقاش الجنسي والسياسي والديني في مصر طبعاً لم يكن المطّلعون على الوضع المصري بحاجة إلى هذه البرقية لملاحظة النشاط الإلكتروني للمدوّنين ـــــ يتجاوز عددهم 160 ألفاً بحسب «ويكيليكس» ـــــ ولا وسائل القمع، التي قابلت بها السلطة كتابات هؤلاء ابتداءً من عام 2005، لكنّ هذا النشاط بدأ يتّخذ منحى مختلفاً في عام 2008 مع إضراب 6 نيسان (أبريل) الذي تلاه تأسيس حركة «6 أبريل».


بعدها انطلقت التحركات الاحتجاجية الافتراضية، إلا أنّ كل هذه المعارضة لنظام حسني مبارك، بقيت في أغلب الأحيان رهينة شاشة الكومبيوتر. ثم جاء السادس من حزيران (يونيو) 2010. يومها، قتل رجال الأمن شاباً مصرياً يدعى خالد سعيد، بعد تعذيبه على نحو وحشي، من دون أي تهمة. انتشرت صور الضحية، وأنشأ بعض الناشطين على فايسبوك صفحة «خجولة» بعنوان «كلّنا خالد سعيد». مرّت الأشهر، وارتفع عدد المنضمّين إلى هذه الصفحة، حتى تجاوز عتبة المليون شخص. وتزامن هذا النشاط مع اندلاع الثورة التونسية ثم سقوط زين العادبين بن علي.
هكذا ضرب الغاضبون من النظام المصري موعداً على فايسبوك للنزول إلى الشارع احتجاجاً على انتهاكات الشرطة في 25 كانون الثاني (يناير)، مستلهمين تجربة تونس. وكانت المفاجأة: عشرات الآلاف نزلوا إلى ميدان التحرير، قبل أن ينضمّ إليهم ملايين المصريين في مختلف المناطق، معلنين سقوط حاجز الخوف، ورافعين شعار إسقاط النظام.
لم تكن الثورة «ثورة فايسبوك»، ولم يكن الثوار «عيال التويتر» كما حاول النظام الإيحاء في الأيام الأولى، لكن لا شكّ في أن مواقع التواصل الاجتماعي أدّت دوراً كبيراً في نقل يوميات الثورة، وقبلها التجييش على المشاركة في التظاهرات الشعبية.
وفي أقلّ من عشرين يوماً، تحوّل المدوّنون إلى نجوم الفضائيات العربية، والمصدر الرئيسي للأخبار في ظل التعتيم الذي فرضه النظام: حسام الحملاوي، وائل عباس، نوّارة نجم، عمرو عزت، علاء عبد الفتاح (الصورة)، وائل عباس، محمد جمال... أسماء ارتبطت ارتباطاً مباشراً بالثورة، حتى إن قسماً من هؤلاء رُشِّح لـ«جائزة نوبل للسلام» مثل وائل غنيم، وأسماء محفوظ، وإسراء عبد الفتاح...
اليوم وفي الذكرى الأولى لانطلاق هذه الانتفاضة الشعبية، ينظر هؤلاء إلى السنة الماضية بتفاؤل و«بكثير من القلق» كما يقول أحمد وائل، رئيس تحرير صحيفة «وصلة»، التي تصدرها «الشبكة العربية لمعلومات حقوق الإنسان». ويضيف في حديث مع «الأخبار» إنه بعد الثورة، تراجع هامش الحريات في مصر بسبب المشاكل الكثيرة التي تعصف بالبلاد «كما أنّ مخاوف عدّة برزت، وخصوصاً عند المدوّنين والمثقّفين، بسبب صعود التيارات الإسلامية، لكن حتى الساعة لم نصل إلى أيّ صدام حقيقي مع هؤلاء». ويشير وائل إلى الدور الكبير الذي أدّاه المدوّنون بعد سقوط حسني مبارك في 11 شباط (فبراير) الماضي «والدليل على أهمية التدوين هو اعتقال كل من علاء عبد الفتاح، ومايكل نبيل، بغضّ النظر عن الفرق بين القضيتين». ويكشف عن جانب آخر من الرقابة غير المباشرة التي فرضها المجلس العسكري على عمل المدوّنين «عشرات الناشطين على تويتر وجّهت إليهم تهم بسبب ما كتبوه على الموقع، لكن تحت الضغط الشعبي لم يحاكموا»، كما يكشف عن استمرار «اللجان الإلكترونية» ــ كانت موجودة أيام «الحزب الوطني» المنحل ــ في عملها، وهي التي أدّت دوراً بارزاً في محاربة الثورة إلكترونياً. وفي ظل كل هذه التحديات التي يواجهها الناشطون بعد الثورة، يرفض المدوّن محمد جمال، المشهور باسم «جيمي هود» اختزال الحركة التدوينية في الثورة وما تلاها، بل يقول إنّه منذ عام 2005 بدأت الحركة الاحتجاجية على الشبكة، «لكننا تحوّلنا إلى ما يشبه كرة الثلج، وتطوّرت التكنولوجيا، حتى بات كل مواطن مدوّناً». ويلفت إلى أنّ «التدوين بات عملاقاً، رغم تراجع أهمية المدونات الخاصة لمصلحة مواقع التواصل الاجتماعي». وماذا عن دور كل هؤلاء الناشطين في إحياء الذكرى الأولى للثورة؟ يقول «جيمي» إنّ الصورة غير واضحة حتى الساعة «ولا نعرف ما الذي سنواجهه»، لكن يبدو أن دوره الشخصي بات واضحاً «سأعيد نشر المقالة التي كتبتها عشية 25 يناير 2011 بعنوان «لو اتقبض عليك حتعمل إيه؟» للتذكير بكل ما حققناه خلال هذه السنة». لكن يبدو أنّ سقوط حسني مبارك، وتنظيم انتخابات برلمانية، ليسا كافيين بالنسبة إلى قسم كبير من الشعب المصري. هكذا يرفض المدوّن عمرو عزّت تقسيم عمل المدوّنين إلى «ما قبل الثورة وما بعدها... الثورة مستمرّة حتى الساعة، وأمامنا الكثير لتنفيذه». وفي ظل هذه الانتفاضة الشعبية التي لم تتوقّف منذ 25 يناير 2011، يرى عزّت أن دور المدوّنين «مكمّل، وخصوصاً أنّ بعض المواضيع لا نجدها في الإعلام الرسمي، كما أن إيقاع الإعلام التقليدي لا يناسب حركة الشارع السريعة». وهنا يقول إن الهالة التي كانت تحيط بالمدوّنين في السابق اندثرت «لم يعد هناك مدوّن يؤثّر في المواطنين، لأن كل المصريين أصبحوا مدوّنين».