كل شيء في مبنى «دار ألف ليلة وليلة» في الأشرفية (بيروت) ينتمي إلى تاريخ مضى: مدخل مهجور، هدوء مخيف في الأروقة، وعلى الجدران صور للراحل ملحم كرم... داخل المكاتب لا يختلف المشهد. تنتصب صورة للنقيب الراحل مزهواً إلى جانب حسني مبارك. خُلع الرئيس المصري، ولا تزال الصورة صامدة على الجدار. في العقدَين الأخيرَين، تراجع حضور المطبوعات الصادرة عن الدار، وهي صحيفة «البيرق»، و«الحوادث»، Monday Morning، وLa Revue Du Liban، إلا أنها تمكّنت من الاستمرار بفضل الأموال التي كانت تتدفّق على كرم من «الدول الداعمة»، وخصوصاً الخليجية. وهي الدول نفسها التي أغرقت صندوق نقابة المحررين بملايين الدولارات، لكن في آب (أغسطس) الماضي، انتهت قصّة هذه الدار التي أنشئت قبل أكثر من مئة عام، ليعلن ورثة ملحم كرم الثلاثة كرمة، وكرم، وثائر إقفالها وإيقاف إصدار المطبوعات و... التخلّي عن خدمات عشرات الموظّفين من دون دفع التعويضات اللازمة.


أما اليوم وبعد مرور أكثر من أربعة أشهر على إقفال الدار، فقد صدر قرار بتأجيل النظر في الدعوى المرفوعة من الموظّفين أمام مجلس العمل التحكيمي إلى الشهر المقبل.
إذاً لم تصمد الدار الشهيرة أكثر من 15 شهراً بعد وفاة ملحم كرم. اندلع نزاع بين الورثة: كرمة وكرم من جهة، وثائر من جهة أخرى. أما السبب، فيبدو غير واضح، أقلّه في الرواية الرسمية التي يسوقها الطرفان، فيما تبدو الرواية غير الرسمية والمتداولة في أروقة الدار أكثر من واضحة، وهي الخلاف على التركة الضخمة التي تركها كرم لأولاده. حتى إن بعض المصادر تؤكّد أن ثائر طلب من القضاء إقفال منزل والده في الأشرفية بالشمع الأحمر (تقدّر قيمته بأكثر من 4 ملايين دولار)، إلى جانب تجميد كل الحسابات المالية المشتركة بين الورثة، ومنع التصرّف بالممتلكات المشتركة أيضاً مثل مبنى الدار.
إلا أن الفريق المؤيّد لثائر كرم، يؤكّد أن الابن الأصغر لنقيب المحررين الراحل بريء من كل الاتهامات الموجّهة إليه «لقد دفع من جيبه قسماً من التعويضات والمعاشات للموظّفين» يقول أنطوان شدياق، رئيس التحرير المساعد في «البيرق»، والمشرف على الدار. ويضيف إن كرمى وكرم سحبا أموالهما من أحد المصارف اللبنانية وغادرا إلى باريس، «إن كانت الأموال بحوزتهما، فلماذا لا يدفعان التعويضات للموظفين؟». ويستفيض مادحاً ثائر كرم «الذي وحده يحمل شعلة ملحم كرم، فهو الذي عمل معه طيلة سنوات، وقد تحمّل أعباء الدار وحيداً بعد وفاة والده».
إلا أنّ الصورة لا تبدو بهذه البساطة بالنسبة إلى منير الحاج، محامي كرمى وكرم. يوضح أنّ موكلَيه لا يمكنهما التصرّف بالأمول «بما أن ثائر كرم استحصل على قرار قضائي بتجميد كل الحسابات المصرفية التابعة للدار، ثمّ يطلب منهما أن يدفعا مستحقات الموظّفين!». ويرفض الحاج ما يجري تداوله عن دفع ثائر كرم أموالاً للموظفين من حساباته الخاصة «بل إنّ كل هذه المبالغ هي من عائدات الدار، ونحن نملك أوراقاً تؤكّد أنه لم يدفع شيئاً من حساباته الخاصة». ويكشف الحاج أنّه رغم كل هذا «العناد»، فإن الابنيَن الأكبرَين لملحم كرم أبديا رغبتهما في حلّ هذه القضية «لكن اتخاذ أي قرار يجب أن يكون من خلال اجتماع بيننا وبين ثائر، وهو ما لم نتمكّن من تحقيقه حتى الآن، بسبب قرار قضائي آخر يمنع عقد جمعية عمومية تابعة للشركة». وكيف تمكّن ثائر كرم من استصدار قرار من قاضي الأمور المستعجلة بمنع عقد هذه الجمعية؟ «الأسباب التي أدّت إلى إصدار قرار لصالح ثائر غير مهمة» يخبرنا الحاج، رافضاً الدخول في أي تفاصيل إضافية حول الموضوع.
وسط هذا الصراع بين الورثة الثلاثة، تبرز مشاكل مالية أخرى ضحيتها الأولى الموظفون. عندما لجأ هؤلاء إلى صندوق الضمان الاجتماعي، اتّضح أن هناك أموالاً ضخمة مستحقّة على الدار لم تسدّدها منذ سنوات، كما أن أغلب الموظّفين كانوا غير مسجّلين برواتبهم الحقيقية. ويكشف جوزيف قزحيا كرم محامي القسم الأكبر من الموظفين، أنّ النقيب الراحل سجّل بعض الموظّفين في الضمان باسم «شركة الإنماء الصحافي»، التي تملك الامتيازات لإصدار المطبوعات، فيما سجّل بعضهم الآخر باسم «دار ألف ليلة وليلة»، «وهو ما يخلق نوعاً من الغموض بالنسبة إلى الموظفين الذين لا يعرفون مرجعهم». ويؤكدّ أنّ الدعاوى القضائية بين الموظفين والدار لن تصل إلى أيّ حلّ بسبب طرحها أمام «مجلس العمل التحكيمي» الذي ينتظر التعيينات الحكومية ليكتمل نصابه، ويتمكّن من إصدار قرارات، كما يشير إلى التعقيدات القانونية المرتبطة بهذا الملفّ: «الطرف الذي يجب عليه دفع التعويضات هو ما يعرف بالشريك المفوّض في الشركة. وحتى الساعة لا نعرف إن كانت مهى كرم شقيقة ملحم كرم هي الشريك المفوّض أم أنها تنازلت عن حصتها لثائر». في انتظار اتضاح الصورة، يبدو أن مصير الموظّفين سيبقى معلّقاً بـ... صراع الإخوة ــ الأعداء.




حرب البيانات

أصدر محامي الموظّفين جوزيف قزحيا كرم بياناً أوضح فيه أن المفاوضات مستمرّة مع منير الحاج، محامي كرمى وكرم كرم، وأن وريثي ملحم كرم الأخيرَين متعاونين. وهو ما أثار سخط قسم من العاملين في الدار، مؤكدين في بيان مضاد أصدروه بعد اجتماعهم في مكتب أنطوان الشدياق: «ويبدو أن الأستاذ جوزيف قزحيا كرم ليس على علم بحقيقة الأمور، سيما لجهة كون الزميل الأستاذ ثائر كرم هو وحده الذي كان يدفع من جيبه الخاص الأجور وسائر مصاريف الدار لسنة كاملة». وهو ما استغربه كرم في اتصاله مع «الأخبار» مؤكداً أنّه رغم هذا الهجوم، فإن تفاوضه مع الجهتين (كرمى وكرم من جهة، وثائر من جهة أخرى) مستمرّ.