القاهرة ــــ على مدخل مؤسسة «روز اليوسف» صورة كبيرة لمبارك، مرسومة على سجادة. اختفت اللوحة تماماً بعد ساعات قليلة من «ثورة الغضب». لكنّ «روز اليوسف» الصحيفة، رأت أن كلّ ما يحدث مجرد «مؤامرة» لتخريب مصر. في أحد عناوينها الرئيسية، كتبت: «سياسيون يحمّلون الإخوان مسؤولية التخريب والنهب». من جهته، رأى رئيس تحريرها عبد الله كمال (عضو لجنة السياسات ومجلس الشورى) أنّ «الجيش ليس بديلاً من الشرطة»، مركّزاً على منطق التخويف على اعتبار أنّ مصر عاشت تحت «رحمة البلطجية والمخربين». كما برّر كمال أعمال البلطجة في ميدان التحرير بقوله إنّ «الأغلبية الصامتة» تحركت لإعادة مصر إلى الحياة الطبيعة بعد الفوضى.

أزمة «روز اليوسف» أنها تصدر كلسان حال للجنة السياسات وبتمويل من رجل الأعمال المقبوض عليه والممنوع من السفر أحمد عز. الصحافيون العاملون فيها، يخشون على مستقبلهم، وخصوصاً أنّ قراراً بإغلاق الجريدة سوف يصدر خلال أيام، بعد إيقاف مصدر تمويلها الرئيسي أي أحمد عز. المدهش أن عدداً كبيراً من العاملين فيها خرجوا في التظاهرات، حتى إن حملة الاعتقالات العشوائية لوزارة الداخلية طالت في اليوم الأول ثلاثة منهم، من بينهم الصحافي المسؤول عن تغطية أخبار وزارة الداخلية، قبل أن يجري رئيس التحرير اتصالاته للإفراج عنهم.
صحيفة «الأهرام» انقسمت فريقين. الشباب الذين ثاروا على طريقة تغطية الجريدة للأحداث، أصدروا في اليوم الأول بياناً شديد اللهجة، رأوا فيه أنّ مواقف رئيس التحرير أسامة سرايا (الصورة)، لا تعبّر إلا عن وجهة نظره الخاصة. وبعد يوميات العنف، راح خطاب الجريدة يتوازن. وبعد الخطاب الأول لمبارك، أوردت الصحيفة عناوين من نوع «العمل الفوري للتحكم بمعدلات التضخم ومحاربة الفساد بكل صوره أيّاً كان مرتكبوه». لكن مقالات «الحرس القديم» مثل نقيب الصحافيين مكرم محمد أحمد، تحدّثت عن الفوضى، وضرورة أن يكون التغيير منظّماً، «تحكمه إرادة رشيدة واعية تدرك عمق ما حدث». التغييرات المتسارعة للأحداث دفعت الصحافيين الشباب في «الأهرام» إلى إصدار بيان آخر طالبوا فيه بفصل سياسة تحرير الجريدة عن الدولة. كذلك طالبوا بإقالة رئيس التحرير أسامة سرايا، وبتبنّي الجريدة لمطالب المتظاهرين، لا خطاب النظام. الغريب أن أسامة سرايا ـــ بحسب تسريبات بعض صحافيي «الأهرام» ــــ لم يعد له رأي كبير في تحديد السياسة التحريرية للجريدة، كما أنّه لم يعد يشارك في اجتماعات التحرير الصباحية.
جريدة «الأخبار» المصرية اختارت أن تتخذ من البلطجة عنواناً في اليوم الأول للتظاهرات، ما دفع المتظاهرين إلى إحراقها في وسط ميدان التحرير. لكنّ إدراك الصحيفة أن التظاهرات الشعبية جديّة، جعل رئيس التحرير ياسر رزق يغيّر عناوين طبعتها الأولى إلى أخرى أكثر موضوعية. رزق الذي تولى رئاسة التحرير قبل أيام من التظاهرات، مقرّب من المؤسسة العسكرية. لذلك صارت الجريدة تركّز على استقرار الدولة عن طريق المؤسسة العسكرية، إلى درجة بدا أنّها تتحدث باسم المؤسسة العسكرية، ما منحها بعض الجرأة، وجعل بعضهم يتوقع انقلاباً من الجيش على مبارك. لكن حين خرج مبارك معلناً أنّه سيموت في هذه الأرض، عادت «الأخبار» إلى خطها المدافع عن الرئيس. لكن بعض كتّابها احتفظوا ببعض الجرأة، من بينهم عبلة الرويني التي عنونت أحد مقالاتها: «الشعب يريد إسقاط النظام». كما نشرت على صفحة كاملة قصيدة أمل دنقل الشهيرة «الكعكة الحجرية» التي كان المتظاهرون يتبادلونها في الميدان. كما أن كتّاباً أمثال أحمد رجب وجمال الغيطاني حذّروا من سرقة «الثورة».
منذ اليوم الأول لـ«ثورة الغضب»، تميّزت جريدة «الشروق» بتغطيتها، وصار المتظاهرون يتبادلونها في ما بينهم، ويقرأون حكايتهم على صفحاتها. «مصر الغاضبة» هو العنوان الشامل الذي اختارته الجريدة لتغطياتها اليومية. قد يكون هذا الخطاب متوافقاً مع قناعات رئيس مجلس إدارة «الشروق» إبراهيم المعلم الذي شارك في التظاهرة. قد يكون هذا النهج التحريري ما شجّع محمد حسنين هيكل على كتابة مقالين على صفحاتها. المقال الأول حمل عنوان «سقوط خرافة الاستقرار»، والثاني صدر أمس بعنوان «عبور المصريين إلى عصر الشعوب الحرة». مواقف «الشروق» لم تمرّ من دون عقاب. فقد هاجمت مجموعة من بلطجيّة وزارة الداخليّة الجريدة أمس، وحاولت اقتحامها قبل أن يتصدى لها الصحافيون.
«المصري اليوم» حاولت إمساك العصا من المنتصف. نشرت الجريدة ملفاً يومياً بعنوان «يوم الغضب»، وبقيت تدعم المتظاهرين، حتى الخطاب الثاني لمبارك. هنا، انقلبت الجريدة على خطابها السابق، وعنونت أمس: «نداء إلى كل من يحب مصر: التزام الهدوء» وهو خطاب يتماهى مع خطاب وزارة الداخلية والنظام الحاكم، ويمهّد لتحميل الإخوان المسلمين المسؤولية عن كلّ ما حدث... ربما لهذا السبب رفض المتظاهرون قراءة «المصري اليوم». فهم لا يريدون أن يعظهم أحد بالهدوء، فيما هم يُقتلون في ميدان التحرير!