نزول البلطجية إلى الميدان دفاعاً عمّا بقي من النظام المصري الذي يعيش أيّامه الأخيرة، طاول أيضاً الإعلام الذي ينقل إلى الرأي العام المصري والعربي والعالمي حقيقة ما يجري على أرض «المحروسة». يكفي اليوم أن تكون أجنبياً وتحمل كاميرا، لتلتحق بمراسلي «الجزيرة» على اللائحة السوداء، وتصير مستهدفاً من الأمن المصري. صحافيون كثر احتُجزوا، بينهم مراسل صحيفة «لو فيغارو» الفرنسيّة، وموفد شبكة «آرتي» الألمانية الفرنسية، فيما تعرّض فريق «سي. أن. أن.» للضرب وحطّمت معدّاته، وتعرّض الصحافي اليوناني بتروس باباكونستانتينو للطعن، إضافةً إلى اعتداءات متفرقة على مراسلي «بي. بي. سي.»، و«آي بي سي نيوز»، و«فرانس 24»... هذه ليست إلا أمثلة عن تهديدات متنقلة جعلت يوم الصحافيين في القاهرة أمس خطيراً جداً وفق «مراسلون بلا حدود».

لقد تحوّل الصحافيون الأجانب إلى «شهود مزعجين» للنظام. وفيما كان التلفزيون المصري الرسمي يبثّ برامج الطبخ وعروض الأوبرا، كانت مشاهد الدماء في ميدان التحرير تتصدّر الصفحات الأولى في الصحف العالميّة. لغة الإعلام الغربي المتعاطفة مع «ثورة الغضب» أربكت النظام. للمرة الأولى منذ احتلال العراق عام 2003، يجتذب الحدث العربي هذا الاهتمام وتصير القاهرة «خبراً أوّل» في كلّ مكان.
«نيويورك تايمز» الأميركيّة حجزت صدارة موقعها ليوميات الثورة. صور من القاهرة، تحقيقات على مدار الساعة، زوايا تفاعليّة منها خريطة مفصّلة ومبسّطة للمواجهات في ميدان التحرير. مراسل الصحيفة أنطوني شديد كتب «العالم العربي يشهد لحظة تشي بأنّ لا شيء سيبقى على حاله بعد الآن». في هذا السياق، تعاطت الصحافة العالمية مع ثورة مصر كأنّها حدث القرن. لوران جوفرين مدير نشر «ليبراسيون» كتب افتتاحية «بطولة» ليقول «إنّ ضوءاً ساطعاً يأتي فجأةً من الشرق. نحن نشهد على شروق شمس». الصحيفة الفرنسية المعروفة بماضيها اليساري، خصصت أكثر من غلاف لمصر، مع عناوين لا تخفي مناصرتها لانتفاضة الشعب. كذلك فعلت الـ«إندبندنت» التي عنونت أمس: «السماء كانت مليئة بالحجارة. المعركة من حولي كانت مرعبة، إلى درجة كنا نشمّ رائحة الدماء». العبارة مستقاة من تحقيق ميداني لروبرت فيسك يردّنا إلى السنوات الذهبيّة لمهنة المراسل الصحافي.
لا يخفى على أحد أن الخروج بهذه النتيجة كان مهمة مستحيلة، خصوصاً أن التواصل بين الصحافيين في القاهرة كان صعباً في الأيام الأولى مع انقطاع الإنترنت والاتصالات. مراسلة «ليبيراسيون» في القاهرة كلود غيبال قالت في اتصال مع «الأخبار»: «اعتمدنا على حواسنا وجهدنا، بعيداً عن وكالات الأنباء. كنا نشعر بأننا نكتب التاريخ». مراسل «لو فيغارو» تانغي سالون يقول: «كنت ألقّن تقاريري لمكتب الصحيفة في باريس عبر الهاتف»، مثله مثل مراسل «غارديان» جاك شينكر. هذا الأخير يرى أنّ التحدي كان في «تدقيق المعلومات وخصوصاً لناحية الشائعات». وكانت معلومات غير مؤكدة قد أشارت أمس إلى نيّة النظام المصري ترحيل مراسلي الصحف الأجنبيّة خارج البلاد. لكنّ مصادر قالت لـ«الأخبار» إنّها تشكّ بإمكان مغادرة المراسلين الأجانب القاهرة، لأنّ ذلك يعني أنّهم يديرون ظهورهم لأي حمام دم محتمل. إنّها من المرات النادرة التي تختار فيها الصحافة العالمية الانحياز... إلى الشعوب العربيّة ضدّ أنظمتها.




كل مواطن خفير

فيما كان التلفزيون المصري يحمّل الصحافيين الأجانب مسؤولية كلّ ما يحصل، كانت الصحف الأجنبية تحاول الالتفاف على سياسات التضييق. «الغارديان» وضعت رقماً خاصاً على موقعها لتلقّي الشهادات الحيّة من القاهرة. «لو موند» دعت جميع من يشاهدون الأحداث في الميدان، إلى إرسال تقارير مفصلة إلى زاوية مخصصة لنشرها. مراسلة «ليبراسيون» كلود غيبال المقيمة في القاهرة منذ سنوات تعترف بأنّ هذه الانتفاضة علّمتها «أنّ على الصحافي أن يتواضع قليلاً في تحليلاته. فقد كنت قبل أسابيع أنظّر بأنّ ثورة تونس يستحيل أن تنتقل إلى مصر».