في وقت تنافست فيه كل الفضائيات على نقل ردّ فعل الشارع المصري، بعد إعلان تنحّي الرئيس حسني مبارك، غاب البثّ المباشر عن التلفزيون المصري الذي اكتفى بإذاعة خبر عاجل في أسفل الشاشة «الرئيس مبارك يتخلّى عن منصب رئيس الجمهورية». ثمّ بدأ بثّ الأغاني الوطنية، قبل أن تعود التغطية المباشرة للأحداث. هكذا سمعنا مداخلات لمجموعة من الصحافيين الذين أجمعوا على شكر حسني مبارك «على ما قدّمه للشعب المصري». أما إعلاميو التلفزيون فأصرّوا مراراً على التركيز على حسنات مبارك، وقد اعتمدوا تسمية موحدّة للتطورات الأخيرة هي «الأزمة المصرية». وكان لافتاً تركيزهم على انتقاد الفريق المحيط بالرئيس المخلوع، من دون التعرّض المباشر له. هكذا يمكننا القول إن التلفزيون المصري دعم الثورة المضادة... حتى بعد سقوطها.

إلا أن الصورة كانت قد تحسّنت قليلاً في الساعات الأخيرة للنظام، قبل إعلان عمر سليمان سقوط حسني مبارك. قرّر «التلفزيون المصري» نهار أمس فتح الهواء للمتظاهرين، بعدما تجاهلهم في الأيام السابقة، ثمّ اختار مذيعوه الاعتراف جزئياً بالأخطاء التي ارتكبها الإعلام الحكومي. وفي الحقيقة كان قد بات من الصعب جداً التعامي عن الحقيقة، إذ كان يكفي لمصوّري التلفزيون الحكومي أمس أن يطلّوا من نوافذهم لمشاهدة عشرات آلاف المحتجين الذين حاصروا «ماسبيرو».
وقف مراسلا قناة «المصرية» في زاويتين من الساحة المجاورة لمبنى التلفزيون، فيما تجمّع المتظاهرون وراءهما يلوّحون بالأعلام المصرية ويهتفون ضد القناة. وللمرة الأولى صوّرت كاميرات الإعلام الحكومي أعداد المتظاهرين، بعدما برعت في الأيام السابقة في التركيز على بعض الشوارع الفارغة. وما هي إلا لحظات قليلة حتى بدأت مداخلات المحتجّين على الهواء «الرسمي»: «إنتو ضيّعتو حقّنا. حقّ الشعب المصري طلع في القنوات الأخرى، وإنتو اتهمتونا بإننا بناخد وجبات «كينتاكي» و50 جنيه... إنتو قلتو عنّا إنو إحنا البلطجية...». «التلفزيون المصري فقد صدقيته لدى الشعب» قال أحد المتظاهرين. ثم عدّد الأخطاء التي ارتكبها إعلام الدولة. وعبثاً حاولت المذيعة أن تتدخل لمقاطعته، إلا أن المتظاهر أكمل كلامه: «التلفزيون المصري يجب أن يمثّل الشعب. عشان كده ليه حساب مع الشعب، بس لمّا الأمور تهدا. لا يمكن أن تركبوا الموجة الآن بعدما شوّهتو ثورتنا منذ اليوم الأول... إحنا حنحاسبكم».
وبعد إصرار المذيعة على الكلام، نطقت بكلمات متردّدة منفعلة وغير واثقة ـــــ بخلاف الهدوء والثبات اللذين ميّزا لهجة مذيعي «التلفزيون المصري» في الأسبوعَين الماضيَين ـــــ «لست أدافع عن أحد. نحن وقعنا للأسف في فوضى معلوماتية في الفترة الأولى. نحن معكم ونؤيّدكم منذ اليوم الأول»، أعلنت المذيعة... ثم انقطع الخطّ مع الميدان!