الدوحة ــ ربما، لم تشهد كواليس قناة «الجزيرة» في الدوحة فرحةً عارمةً كتلك التي عمّت غرفة الأخبار أمس، لدى بثّ خبر «سقوط» الرئيس المصري حسني مبارك. تعالت صيحات التبريكات بين الصحافيين العرب، وراحوا يهنّئون زملاءهم المصريين في القناة، وازدادت الأماني بامتداد موجة «التطهير» لتطال الديكتاتوريات الأخرى في الدول العربية.

هذه الفرحة التي عمّت كواليس الشبكة القطرية، جاءت لتمحو شعوراً بالأسى خيّم على الصحافيين والإعلاميين بعد ليلة الخميس المضنية، حين ترقّب الكل خطاب حسني مبارك، متوقّعين منه إعلان التنحّي.
لكن قبل الخيبة من عدم تنحّي مبارك، كانت أروقة الفضائية القطرية تعجّ بالموظّفين الذي انتظروا الخطاب الرئاسي، وخصوصاً بعدما سبقه بيان «تفاؤلي» للجيش. «إنه يوم تاريخي... صح؟» تسأل خديجة بن قنّة، وهي تهمّ بالدخول إلى استديو التحرير لتقديم «حصاد اليوم». بدت الإعلامية الجزائرية متفائلة بقضاء سهرة تاريخية ستشهد رحيل ديكتاتور عربي آخر.
وسريعاً، توالت المفاجآت. تعالت صيحات الدهشة عند ظهور مدير مكتب «الجزيرة» في القاهرة عبد الفتاح فايد مجدداً على الهواء من دون ميكروفون «الجزيرة»، فقال أحدهم معلّقاً: «لا حرج الآن، فلم يعد هناك سلطة في البلد». هكذا تعاملت «الجزيرة» بذكاء وتحايل على نظام مبارك. عرف مراسلها في واشنطن ناصر الحسيني كيف يتسلل إلى الإسكندرية ويصوّر بكاميراته الخاصة مشاهد عن الاحتجاجات. ولعلّ ما سهّل مهمة القناة الشهيرة أنّ قرار سحب اعتمادات المراسلين لم يشمل العاملين في «الجزيرة الإنكليزية»، وهو الأمر الذي يفسّر استمرار تدفق الصور من القاهرة وعرضها على شاشة «الجزيرة». وسرعان ما التحق مراسل القناة في لندن ناصر البدري بزملائه في مصر لتغطية الأحداث في الإسكندرية، إلى جانب عياش دراجي الآتي من فرنسا مباشرةً إلى المنصورة لمتابعة التطورات. وبدا أنّ غضب وزير الإعلام أنس الفقي كان يشمل فقط مراسلي القناة في القاهرة، فقررت الإدارة الاستنجاد بمراسلين من دول أخرى، من دون أن يحملوا ميكروفون «الجزيرة». كما استعانت إدارة التلفزيون بشركات خاصة تتكفل بتصوير المشاهد وتركيب التقارير وإرسالها لاحقاً إلى الدوحة، إلى جانب مراسلي موقع «الجزيرة توك».
إذاً، لم تكن ليلة أول من أمس عادية في أروقة «الجزيرة» في الدوحة، بل تجنّد عدد كبير من المذيعين في غرفة الأخبار، وكان قسم المراسلين منهمكاً منذ أيام الثورة الأولى في الاتصال بالصحافيين المصريين الموجودين في ميدان التحرير للحصول على آخر التطورات. أما حركة المحللين والخبراء في كواليس القناة، فلم تتوقف. وعندما سألت «الأخبار» أحد المذيعين عن الاتهامات الموجّهة إلى «الجزيرة» بترويج الفتنة في مصر، قال بثقة «نعم، نحن صوت الشعب، ولا يعنينا كلام مبارك ونظامه». والحق يقال، مسؤولو القناة لم يبدوا مشغولين كثيراً بتلك التهم الموجّهة إليهم، بل رأوا أن الاتصالات التي لم تتوقف من شوارع مصر هي «ردّ كاف على نظام مبارك... نحن كنا ولا نزال صوت الشعب... لقد غطّينا ثورة تونس، وسنوصل أصوات الشعوب في كل مكان في العالم». بينما ذهب أحد المسؤولين أبعد من ذلك، متحدّياً النظام المصري «نحن ننقل صوت الشعب المصري، تماماً كما نقلنا بيان مسؤولي العشائر الأردنية التي تتهم الملكة رانيا بالفساد، ونقلنا بيان «منتدى المجتمع المدني في دول الخليج» الذي يطالب الأسر الحاكمة فيها بالإصلاحات».
مع تقدّم الوقت، وتأخّر مبارك في الظهور على الشاشة، اشتدّت الأعصاب، وازدادت التكهّنات، وخصوصاً في أوساط الإعلاميين المصريين. ومن دون سابق إنذار، خرج رئيس مجلس إدارة القناة الشيخ حمد بن ثامر من مكتبه، مع المدير العام وضاح خنفر لمتابعة وتيرة العمل في القناة الإخبارية. مشهد تكرر لدى سقوط الرئيس بن علي.
تأخّرت الساعة وازداد الترقب. وأخيراً أطلّ حسني مبارك، وعمّ الصمت غرفة الأخبار. وحالما لفظ عبارة «لن أدّخر جهداً»، فهم الجميع أن «الريّس» لن يتنحّى. تعالت التنهّدات... وتوالت الضحكات الساخرة. وكان التأثر بادياً على إحدى الإعلاميات المصريات التي لم تتمالك دموعها من شدة الحسرة، بينما علّق عزمي بشارة قائلاً: «ردة فعل الجماهير أفضل ردّ... أفضل محلل وفيلسوف لا يمكنه أن يقول شيئاً. اللحظة تحتاج إلى إبداع شاعر، لا محلل». وعلق صحافي آخر قائلاً: «مبارك يريد أن يسبّب لنا المرارة والضغط لنموت جميعاً ويبقى هو على الكرسي!». وما هي إلا لحظات، حتى بدأت المكالمات الهاتفية تنهال على «الجزيرة مباشر» من مختلف المحافظات المصرية. هنا يريد الجميع التعبير عن خيبتهم وغضبهم من تلك الليلة التي لم يسقط فيها الديكتاتور... لكنّه فعلها ليلة الجمعة، التاريخ يصنع مواعيده الخاصة!