القاهرة | القارئ المصري الذي لم يطّلع على كتب أنيس منصور ( 1924 ــ 2011)، هو ببساطة قارئ غير موجود. في المقابل، يصعب أن نجد قارئاً اطلع على كل أعمال الكاتب المصري الشهير. غزارتها وتنوعها وتعدد طبعاتها تجعل من حصرها أمراً صعباً. أما حصر مقالاته، فذلك قد يكون مستحيلاً. الأمر المؤكد الوحيد أن صاحب «لعلّك تضحك» خطّ آخر كلمات حياته الحافلة قبل صباح أمس، لينهي عمراً مديداً، ووصلة امتدت مع قارئه منذ الأربعينيات حتى الأسبوع الماضي. هل وضعت المؤلفات الغزيرة صاحبها في مكان بين كبار الفكر أو الأدب؟ ذلك أمر مختلف عليه، ولا يبدو أنه كان يهم صاحبه كثيراً، لكنه حتماً أمتع ملايين القراء بكتاباته، ورحلاته أيضاً. كتابه «حول العالم في 200 يوم» صدر العام الماضي بطبعته الخامسة والأربعين، رقم يتوارى خلفه خجلاً كتّاب الـ«بيست سيلر». يبقى الاختلاف الأدبي والصحافي والسياسي قائماً حول أنيس منصور. أما المتفق عليه، فهو أسلوبه الرشيق السلس كالماء. ربما هذا ما جعله وجبة ثابتة في مكتبات المدارس، جنباً إلى جنب مع كتب الراحل مصطفى محمود.

مات صاحب «كرسي على الشمال» شيخاً طاعناً في العمر، لكن الغالبية العظمى من قرائه كانت ولا تزال من الشباب، ربما لأنه داعب ما يمسّ الروح الوليدة المستكشفة الوثابة، طاف بقارئه حول العالم وكتب له عن «أعجب الرحلات في التاريخ». ثم انطلق إلى الميتافيزيقا ليصدر بعضاً من أشهر كتبه «أرواح وأشباح»، و«الذين هبطوا من السماء»، و«الذين عادوا إلى السماء»، فضلاً عن «لعنة الفراعنة». أمسك منصور بالخيط بين التساؤلات البشرية والخرافة التامة، لكنه كثيراً ما أفلت ذلك الخيط، فاتّهم ـــــ عن حق مرات ـــــ بإشاعة الفهم الخرافي للعالم. وربما كان ذلك مناسباً جداً لعصره المفضل، عصر صديقه الرئيس أنور السادات. صادق أنيس «الرئيس المؤمن»، وسافر معه إلى القدس المحتلة. اغتيل الرئيس وبقي الكاتب يحمل وصمة التطبيع إلى النهاية، وخصوصاً أنه لم يتبرّأ لا من السادات ولا من إسرائيل. ظل يتحدث في عموده الأشهر «مواقف» عن أصدقائه الإسرائيليين، يعرض محاوراتهم ويستشهد بآرائهم. لم تكن رحلته مع السادات انتهازية عابرة، بل عن إيمان مطلق وإعجاب كامل بالرئيس.
كان السادات ربما استثناءً في حياة أنيس منصور، الذي لم يسلم من لسانه ـــــ وسخريته ـــــ أحد، وخصوصاً نفسه. وقد انتظر رحيل عبد الناصر حتى يصب جام نقده عليه، لا على سيرته فحسب، بل على نهجه وفكره وأصدقائه، وكل ما يذكّر به. وانسحب ذلك الغضب ـــــ الكره؟ ـــــ على العرب عموماً، والفلسطينيين خصوصاً. وسجّل «أفكاره» عن عبد الناصر في كتاب ذي عنوان مميز «عبد الناصر المفترى عليه والمفتري علينا»، لكن الواقع أنّ أحداً لم يأخذ الجانب السياسي في حياة منصور على محمل الجد، بل حتى في علاقته برأس الدولة لم يكن مؤثراً قدر ما كان متلقباً ومسجِّلاً لمذكرات نشرها متفرقة في مجلة «أكتوبر»، ثم جمعها قبل عامين في كتابه «من أوراق السادات». لا يمكن مقارنة تلك العلاقة إطلاقاً بما كان ـــــ مثلاً ـــــ يجمع بين محمد حسنين هيكل وعبد الناصر، ربما لأن المشكلة لم تكن في العلاقة، بل في الرجال.
لم يتشبث بفكرة ولا برجل، حتى زعيمه المفضل الوحيد (السادات) كتب عنه ما يمكن اعتباره ذماً، إذ قال إن السادات كان الضابط الوحيد الذي احتفظ بموقعه بجوار عبد الناصر، لأنه عاش «مثل مسمار بلا رأس، والمسمار بلا رأس يصعب خلعه». يبدو أن تلك لم تكن قناعة منصور حول السادات، بل منهجه هو أيضاً. حتى عندما تخطّى منتصف الثمانينات من العمر عاش من دون أي نقد للسلطة القائمة. تقليد حافظ عليه منذ عصر الملكية. بدأ تجربته في «روز اليوسف»، لكن «روزا» طردته لسبب غير معروف ـــــ اكتفى بالقول إن السبب كان إحدى المقالات التي عوقب عليها. اتجه إلى «أخبار اليوم» فتتلمذ على يدي مصطفى وعلي أمين، ومنها إلى «الأهرام»، فأرسلته إلى بعثة أوروبية مع كامل الشناوي، وكان هناك عندما قامت الثورة... «ثورة يوليو» طبعاً.
هل كانت الخفة هي الدرس الذي تعلّمه من ترجماته لجان بول سارتر وألبير كامو، وصموئيل بيكيت، الوجودية ومسرح العبث؟ كتاباته الصحافية، وعموده الشهير أفصحا عن ذلك بلا تصريح. المدهش أنه كان ـــــ وظل كما كان يقول ـــــ تلميذاً للعقّاد، ربما كان أقرب تلامذته. لا لغته تقول ذلك ولا أفكاره ولا تجنبّه الصراعات والمعارك، سار على الجانب الآخر من العقاد، لكنه ظل يستشهد به، وكتب عنه «في صالون العقاد كانت لنا أيام».
كتب أنيس منصور الروايات والمسرحيات، وتحوّل بعضها إلى مسلسلات أشهرها «مين اللي ما يحبش فاطمة»، و«غاضبون وغاضبون». وحاز الكثير من الجوائز والتكريمات بوصفه «أديباً كبيراً»، لكن يبدو أنه لم يحرص كثيراً على التمسك بالألقاب.




العظماء مئة أعظمهم محمد

عند استعادة سيرة أنيس منصور، يمكن القول إن مكمن الخفة في تقويمه أنه هو نفسه، لم يأخذ نفسه كثيراً على محمل الجد. كان يريد أن يكون صحافياً ناجحاً، وكاتباً مقروءاً، فحصل على أكثر مما كان يتمنى. ساعده على ذلك أسلوب ممتع ومميز، وانعدام إيديولوجي حماه من المعارك والصراعات، فضلاً عن حسّ فطري أرشده إلى ما يجذب الجمهور. ترجم سنة 1978 ما أصبح أحد أكثر الكتب توزيعاً في تاريخ العالم العربي «العظماء مئة أعظمهم محمد» للأميركي مايكل هارت. ثمّة نسخ من هذا الكتاب لا يحمل غلافها حتى اسم المؤلف، بل المترجم فقط.