لا تحزن، قال لي، اذهب الى طرابلس، كأنما ذهبت الى سوريا. كنت أخبره عن أسفي الكبير لأنني لم أزر سوريا في حياتي. وغالباً حينما أفصح عن أسفي هذا أمام من يعرفون سوريا كما يعرفون لبنان، أسمع جواباً مشابهاً، يضع طرابلس في مصاف المدن السورية الكبرى. وإذا كانت العمارة في طرابلس مشابهة للعمارة في حلب مثلاًً، فلا شك أن حلب مدينة جميلة.


مع أن صديقاً طرابلسياً فوجئ كيف أنني أجد مدينته جميلة معمارياً، وكيف أنني وصفتها حينما زرناها معاً، بأنها أجمل من وسط بيروت. بدت لي طرابلس مدينة حية وحقيقية. ليس فيها أحجار مزيفة، ولا أبنية مقفلة على عتمة، وﻻ شرفات عارية، ليس عليها ثياب مغسولة، أو شتلة زريعة، أو عصفور في قفص. في وسط طرابلس، يعيش الناس حقاً، ولا يتظاهرون بالعيش كما يبدو لي الناس في وسط بيروت. ومع أن المدينة الشمالية مهجوسة بمشاكلها الأمنية، غارقة في شبر الإرهاب، إلا أنها رغم ذلك حية أكثر من بيروت. وناسها هم نبضها، بدمائهم ودموعهم وابتساماتهم، يصنعون إيقاعها على وقع قرع الطبول المستمر منذ سنوات في الجارة سوريا. وإذا كانت المظلات لم تعد تجدي نفعاً مع انهمار الأمطار والبراميل والأدعية المرتدة والآلهة المنهارة (بلا مظلات إنقاذ) من السماء، فوق رؤوس السوريين في سوريا، فإن المظلات لا تزال تفتح في طرابلس عند كل انهمار للمطر أو للوطن في الجارة التي كانت طرابلس جزءاً منها حتى ثلاثينيات القرن الماضي، وجرى سلخها عن سوريا وضمها الى لبنان، بعد جدل تاريخي قاسٍ يغيب عن صفحات كتب التاريخ المدرسية، لكنه يحضر في كتاب فواز طرابلسي «تاريخ لبنان الحديث». فإميل إده قدم للخارجية الفرنسية في صيف عام 1928 مذكرة يقترح فيها أن تصير طرابلس «مدينة حرة» ــ تحت الإدارة الفرنسية، «يمنح سكانها المسيحيون الجنسية اللبنانية والمسلمون الجنسية السورية»، وذلك لضمان أكثرية مسيحية في لبنان الكبير، طبعاً «بعد منح لبنان نظام الحكم الذاتي على غرار بلاد العلويين». هذه أمور حدثت قبل أقل من مئة عام. ولا تزال باعثة على التأمل الى أيامنا هذه: الحسابات مع طرابلس لا تزال بالنسبة الى كثير من اللبنانيين طائفية وديموغرافية صرفة، يضاف إليها حسابات اقتصادية كانت حاضرة آنذاك، ولم تغب اليوم، إذ يذكر طرابلسي في كتابه أن «المصالح الاقتصادية للانتداب ومصالح بورجوازية بيروت حالت دون عودة مرفأ طرابلس الى سوريا. ذلك أن بقاء طرابلس داخل حدود «لبنان الكبير» يحدّ من خطر تهديدها مركز بيروت الاقتصادي، أما إذا أصبحت جزءاً من سوريا، فتلوح إمكانية أن تصبح المرفأ الرئيسي لسوريا على حساب مرفأ بيروت». منذ ذلك الحين، وطرابلس تبدو عالقة في «برزخ» بين لبنان وسوريا. وهو برزخ لا يقيها النار ولا يحرمها الجنة. بيد أنه في أحيان كثيرة يصير برزخاً بين نارين، ولا يعود ممكناً تجنب الاحتراق. طرابلس بهذا المعنى ليست لبنانية ولا سورية. هل هي «منطقة حرة» كما أرادها إميل إده؟ بل هي منطقة سجينة: سجينة التاريخ والجغرافيا والديموغرافيا والطائفية، وضحية التهميش الاقتصادي والاجتماعي. هي منطقة رائعة، لكن لا يسمح لها بتظهير روعتها لأنها تهدد زيف مدينة مسحوبة الروح مثل بيروت.