«من فرط حبهم حضنوا أجساداً كأجسادهم ومن فرط شهوتهم ضاجعوها».

لكن، لماذا هم ليسوا طبيعيين؟ لماذا نحن الطبيعيون؟ ولماذا لا يكون هناك جنس ثالث ورابع حتى؟
لماذا تراني، أنا، تصالحت مع هذا كلّه؟ وهل الأمر متعلّق بالتي أحببتها؟ أم بصديقي المثلي؟ وهل أنا مثلي؟ والناس؟ وهل كتب فرويد عن أرحامٍ ورقية؟ أم أن هؤلاء أمة تتكاثر بلا أرحام؟
كانت البداية مع أحد أصدقائي.

كنت أشعر به يشبه أنثى في بعض تصرفاته. كانت «الأنثى» تلمع في عينيه الجميلتين، وأنا كنت أشتمّ فيه رائحة الأمومة أكثر من رائحة الصديق. فهو حنون يملك عاطفة تتخطى عاطفة الصديق. كنت أشعر بذلك، ولكن لم يكن بوسعي إخباره. لكنه سبقني واعترف لي، من يومها ارتاح هو من جهتي، وأنا بدأت صراعاً بين حبي له كصديق، وبين معتقدي الشخصي وبيئتي ومجتمعي الذي لا يقبل به مطلقاً.
مرّ الأمر كطعم المرّ. ولكن توصلت إلى قناعة مفادها أنه كما يختار الناس أن يكونوا، مزارعين أو مهندسين، يمكن للشخص أن يختار أن يكون ذكراً أو أنثى. الأمر قد يكون بهذه البساطة. كما يحصل في المدرسة مثلاً، عندما نختار العلمي على الأدبي. هذا قد يكون ما رسمه تفكيري. أما الدليل العلمي فمختلف عن ذلك تماماً. ولا طائل من الغوص فيه.
ويمكنني كذلك أن ألجأ إلى غوغل لأقتنع بالأمر أكثر، أليس بعض من غيروا وجه التاريخ هم مثليون؟ هذا ما خلصت إليه لأتصالح مع فكرة أن صديقي مثلي الجنس، ويمكن لصداقتنا أن تستمر بشكلها الطبيعي.
لكن الأمر لم ينته هنا. قد يكون تصالحي مع الفكرة فقط لأنني أحبه وبيننا رابط الصداقة، وقد يكون هذا الرابط جعلني أتصالح مع تجربته وحده. ولكن، ماذا لو حصل لي هذا الأمر مع صديقتي؟ تلك التي عندما اعترفت لها بحبي، اعترفت لي بمثليتها.
أفكر في أحيان كثيرة في أهل هؤلاء. هل كل هذا حصل نتيجة الكبت ومحاصرة العادات والتقاليد؟ لا أجد جواباً، ولكنني أستذكر حكاية روتها لي صديقة عن صديقها. قالت لي يومها:
قبل 13 عاماً كُنّا في باص المدرسة. كنا صغاراً، وكان صديقي جميلاً، وقد علّقت له أمه على شعرهِ «بكلة». ما إن وصلنا إلى المدرسة، حتى صار الأولاد يسخرون منه وينعتونه بألقاب تطلق عادة على البنات، أذكر بأنه بكى يومها بشدة.
مرت أيام ولم يأتِ إلى المدرسة، وعند عودته مرة أخرى، لم ينس الأولاد قصة الـ»بكلة». ظلوا يتعاطون معه على أنه فتاة. بعد مرور بضع سنين، التقيت به صدفة في صالون نسائي. ذكّرته بنفسي وبقصته أيام المدرسة. وخلال حديثنا، اعترف لي بأنه مثلي جنسياً. سرحت، وهو يعبث بشعري، وتساءلت: ماذا لو كنت قد أزلت «البكلة» عن شعره، ونحن في الباص، هل كان سيصير على ما هو الآن؟
وعطفاً على القصة، أسأل نفسي: لماذا فعلت أمه ذلك؟ ولماذا قبلت إدارة المدرسة؟ ولماذا بعدما كبر، صاروا يشمئزون منه؟
لا يهم. المهم أنني آمنت. لا أعرف ان كنت سأقنع أحداً بهذه التجربة، ولكن على الأقل كانت كفيلة بأن لا أخسر صديقي وتلك البنت الجميلة. صحيح بأننا تحولنا إلى أصدقاء، بعد اعترافها، ولكنني كسبت صديقة، لديها انسانية وإحساس عالٍ، وربما أجمل ما كسبته من تجربتي هذه أنني لم أحتفظ بالعقل المتزمت، الذي لا يقبل الآخر، وإن كان الآخر قد يراني أقل منه إن لم أقبل به. وهذه الحياة إن لم أخطئ الظن، حلقة، تتوسع بقدر اتساع عقولنا، وتقبلنا للغير، وتضيق كلما تمسكنا برأي واحد، وأردنا أن نكون وحدنا فيها.