لم تكن ثورات «الربيع العربي» ثورات بالمعنى الحقيقي والحصري للكلمة، كما يرى الأب جورج مسوح. لم يلمس ذلك على ضوء ثمار الذي جرى خلال الثلاث سنوات الماضية. فالثورة برأيه تعني «التطوّر والتقدم إلى الأمام، فيما لم نشهد هذا الأمر على صعيد مجتمعاتنا التي حدثت فيها الانتفاضات». يرى مسوح أن الثورات لم تحقق المأمول منها لأنها بحاجة إلى تهيئة، ويتطرق هنا إلى الثورات الأوروبية ومن ضمنها الثورة الفرنسية، التي «جاءت كتتويج وكذروة لتطوّر ثقافي وعلمي ودخول العقل النقدي وعقلنة الفكر الديني الذي بدأ مع الحركة البروتنستانتية مع مارتن لوثر الذي دك أسوار الكنيسة».


وهذا ما لم يحدث بعد في العالم العربي برأيه، حيث «لا يوجد عندنا فلسفة عربية متطوّرة ولا إنتاج علمي وأدبي وفكري كبير، ولذلك نجد أن الثورات رفعت شعارات العودة إلى الوراء، ولا يمكن أن تنجح ثورة من خلال عدة قديمة».

الشريعة ليست الحل

يختصر مسوح المشهد العربي العام بالانحطاط الفكري، وسببه أن الدين في حال متخلفة، حيث لم يتم إدخال أي تجربة جديدة عليه، وخصوصاً إسهامات العلوم الحديثة، ولا سيما الإنسانية منها كعلم الاجتماع واللغات وعلم نفس والانتروبولوجيا... فهذا مما لم يتأثر به الفكر الإسلامي إلى اليوم، ما يمنع بالتالي قيام أي ثورة حقيقية. أما النهضة العربية، فقد أُجهضت في بداية القرن العشرين سواء على صعيد الفكر العلماني أو على صعيد الفكر الديني... «الفكر الديني انتكس من بعد محمد عبده ما أنتج فيما بعد فكر الإخوان المسلمين، والفكر العلماني الذي كان قد تتطوّر خلال القرن التاسع عشر أصيب بنكسة بسبب الأنظمة الاستبدادية». إلى ذلك، يرجع أسباب هذه الانتكاسة إلى أمور عدة. أولها، دخول الانتدابات الأجنبية مع سقوط الدولة العثمانية والتي أسميها استعماراً، وهذا ما أدى إلى طغيان الفكر الرجعي على الفكر الإسلامي بدعم من أنظمة عربيّة، وأهمّها هو هو «الوعد المشؤوم» بإنشاء دولة إسرائيل 1917. أما النكسة الكبرى التي جعلتنا نتقهقر أكثر فأكثر جاءت مع النكسة 1967 حيث انطلق شعار «الإسلام هو الحل» أو «الشريعة هي الحل»، ومذاك وبدأنا نشهد تصاعد الحركات الأصولية الإسلاميّة.

ضرورة الفردانية

لا يؤمن الأب المنفتح بوجود إسلام وسطي بالنسبة لموضوع الدولة لأن «كل الإسلاميين وسطيين وغير وسطيين يدعون إلى إنشاء دولة إسلامية وتطبيق الشريعة الإسلامية وإلى دستور إسلامي»،

النكسة الكبرى التي جعلتنا نتقهقر أكثر فأكثر جاءت مع النكسة 1967 حيث انطلق شعار «الإسلام هو الحل» أو «الشريعة هي الحل»


مستشهداً بوثيقة الأزهر الأخيرة التي صدرت عام 2011 التي تتحدث عن دولة دستورية عصرية مع الأخذ بعين الاعتبار مقاصد الشريعة الإسلامية والفهم الإسلام الصحيح الذي يحدده الأزهر، لافتاً إلى أن الأزهر بهذه الطريقة يبدو وكأنه يلعب دور ولاية الفقيه عند الشيعة، وهذا يدل على أن لا أفق حتى عند الوسطيين. سرعان ما يشير إلى أنه لا يقصد التعميم، بل يتحدث عمن يؤثر في الشارع، فهناك من عمل وقدم إنتاجات فكرية مهمة كمحمد أركون ونصر حامد أو زيد وغيرهم، ولكن بقيت جهوداً محدودة نطاق التأثير، وبالتالي فمشروع الدولة الإسلامية ونظام أهل الذمة وكل ما يلحق بهما من أمور لا تزال قائمة. كذلك الأمر، لا يرى الدكتور مسوح في سقوط حكم الإسلاميين بوادر أمل في إعادة النظر بهذه الموروثات التي تكاد تكون مسلّمات، لأن الحكم الإسلامي في مصر أُسقط، وأعادت قوة العسكر نظام حسني مبارك بحلة جديدة.
يستشهد بوثيقة الأزهر الأخيرة التي
صدرت عام 2011 وتتحدث عن دولة دستورية عصرية مع الأخذ بعين الاعتبار مقاصد الشريعة الإسلامية والفهم الإسلام الصحيح الذي
يحدده الأزهر


في موضوع الفردانيّة يقدم الأب مسوح
نموذج لبنان، الذي يعتبره البعض نموذجاً إيجابياً، بينما هو برأيه «أسوأ نموذج يمكن أن يُؤخذ به
في العالم»

«الثورة الحقيقية لا يمكن أن تكون لا بالجزمة العسكرية ولا بالعودة إلى الشريعة الإسلامية، وبالتالي المشكلة عندنا أن الديمقراطية ليست ثقافة عامة، بل مجرد عدد أصوات».
وفي الحديث عن «الشعب»، يلفت إلى أن الفئة «غير المستنيرة منه» لا يمكن أن تنتخب إلا الأصوليين أو الاستبداديين، في حين أننا نريد دولة مدنية بكل ما تحمله الكلمة من معنى. مشدداً على أنه لا يمكن أن نأخذ مصطلح عصري بدون أن نأخذ الثقافة المحيطة به. «هناك على سبيل المثال من يقول أنه مع الدولة المدنية، ويرفض الزواج المدني فأي دولة مدنية نطالب بها ولا يوجد تشريع مدني للزواج؟»، أيضاً الديمقراطية في أوروبا تقوم على أساس الفرد هو أساس المجتمع بينما «الفرد عندنا لا وجود له نحن لدينا كتل طائفية ومذهبية وعشائرية أو مناطقية». ويقدم الأب مسوح نموذج لبنان، الذي يعتبره البعض نموذجاً إيجابياً، بينما هو برأيه «أسوأ نموذج يمكن أن يُؤخذ به في العالم». ففي حين أن انتمائنا للدولة يجب أن يكون بمعزل عن انتمائنا للدين نجد أن كل طائفة هي وطن.
ذلك لا يعني أن الرجل يطالب بإسقاط تجارب غربية لها سياقاتها التاريخية على مجتمعاتنا. ويقول في هذا الإطار: «لست مع استنساخ النماذج الغربية وسواها. نتوق إلى أن نصنع دولتنا كما نريدها نحن، ولكن يجب أن نبدأ من مكان معين، هذا المكان هو الدين، لكونه فكر استبدادي وان تلبس لباسات مختلفة». يشدّد الأب مسوح على أنه من غير المقبول عند الحديث عن الدولة أن يأتي من يتحدث لنا عن دولة دينيّة، فهناك وقائع جديدة على الأرض أبرزها وجود مفهوم الدولة الوطنية، في حين أنه في الفكر الإسلامي حيث مفهوم الأمة ينتفي مفهوم الوطنً. ومن غير الممكن أن نأخذ فقهاً قديماً عمره 14 قرناً ونطبقه في عصرنا. طالما الوطن يقوم على الفكر الديني والطائفي والمذهبي «لن يستقيم حاله على الإطلاق». يخلص الأب مسوح إلى الحاجة الماسّة إلى جرأة في الاجتهاد الإسلامي وخصوصاً في ما يخص الدولة المعاصرة، وهذا ما يستدعي وجود رجال دين يعتد بهم وبثقافتهم ومعرفتهم يأتون باجتهاد وفكر جديد. وفي هذا الإطار، يمرّ إلى الحوارات الإسلامية ــ المسيحية، موضحاً أن المسؤولية الكبرى تقع على عاتق الغالبية: «مسؤولية المسلمين أكبر من مسؤولية المسيحيين».