الرباط | في المغرب، يدور صراع حاد حالياً بين تيار سياسي إسلامي وآخر يساري بسبب مسيرة تضامنية نُظّمت مع معتقلي حراك الريف. وقد بدأ الجدال يحتدم منذ طرح فكرة تنظيم المسيرة لاستنكار الأحكام القاسية الصادرة أخيراً بحق أبرز معتقلي حراك الريف الموقوفين في سجن «عكاشة» المدني بمدينة الدار البيضاء، حيث جرت المسيرة صباح يوم الأحد.

ولم تحظ المسيرة التضامنية مع معتقلي حراك الريف بإجماع الفرقاء السياسيين، سيما بين الأحزاب اليسارية الداعية إليها وبين الإسلاميين. في الطرف الأول يُقصد تحديداً التنظيمات السياسية اليسارية المنضوية ضمن تحالف اسمه «فيدرالية اليسار»، ويشمل أحزاب «الاشتراكي الموحد» و«الطليعة الديموقراطي الاشتراكي» و«المؤتمر الوطني الاتحادي»، أما «الاتجاه الإسلامي» فيتمثل في «جماعة العدل والإحسان»، وهي أكبر تنظيم سياسي في البلاد لا يتوافر على الصفة الحزبية لاعتبارات تتصل بمعارضته للنظام الملكي الحاكم في كبرى أسسه، وهي الملكية.
بدأ كل شيء حين قررت «فيدرالية اليسار» تنظيم مسيرة شعبية تضامنية مع معتقلي حراك الريف الذين صدرت في حقهم أحكام بالسجن النافذ تراوحت ما بين 5 سنوات و20 سنة، في حدث أثار موجة انتقادات لا تزال مستمرة في الداخل والخارج. أخذت «الفيدرالية» مبادرة الدعوة وتنظيم المسيرة المذكورة، وشرعت في الحشد لها عبر وسائل الإعلام غير الرسمية ووسائط التواصل الاجتماعي، ووجهت منسّقة «الفيدرالية» نبيلة منيب دعوة مصورة للمساهمة الشعبية في المسيرة. وبينما كان الاعتقاد في البدء أنّ «جماعة العدل والإحسان» ستشارك في المسيرة التضامنية، بما يعني أنّها ستكون حاشدة نظراً إلى القدرة التعبوية المعروفة عن «الجماعة»، اتضح لاحقاً أنّ الخيار هو عدم المشاركة.
كان الأمر سينتهي هنا لولا أنّه بعث، من جديد، بنقاش قديم بين التيارين الأيديولوجيين، كان قد ظهر للمرة الأولى خلال مظاهرات «الربيع العربي» في نسختها المغربية، والتي عكستها «حركة عشرين فبراير». في حينه، كان التياران قد أسهما في التأطير، وشارك أتباعهما في تلك المظاهرات، غير أنّ الخلاف سرعان ما دبّ بينهما حول أمور تنظيمية كان أساسها أيديولوجي وسياسي، وانتهى الأمر بإعلان كان مدوياً تمثّل بانسحاب الجماعة الإسلامية من المشاركة في المظاهرات، الأمر الذي انعكس سلباً على زخم التحركات.
في الظاهر، كان النقاش منحصراً في الغرض السياسي لكل تيار من المشاركة في مظاهرات «الربيع العربي». فبينما كان السقف الأقصى للاتجاه اليساري يطالب بـ«إسقاط الفساد والاستبداد» وحصر المسؤولية في شخصيات من محيط البلاط الملكي (فؤاد علي الهمة ومحمد منير الماجيدي وإلياس العماري)، كانت «جماعة العدل والإحسان» ترى أنّ المسؤولية تتجاوز هؤلاء إلى مَن هو أعلى في سلم السلطة السياسية في البلاد، أي المؤسسة الملكية وتحديداً شخص الملك، وهو ما كان سبباً في خلاف حاد بين ممثلي التيارين في الإعدادات اللوجيستية للمظاهرات (مثل العبارات التي يجب كتابتها على اللافتات والشعارات التي ستصدح بها حناجر المتظاهرين). وهو الخلاف الذي آل إلى انسحاب الجماعة من مظاهرات «حركة عشرين فبراير».
لكن في الواقع، فإنّ الاختلاف بينهما كان أعمق ويتمثل في التباين الكبير بين تصورين سياسيين وأيديولوجيين، وذلك بالرغم من أنّ كليهما يقف في ضفة المعارضة للاختيارات الرسمية للنظام الملكي المغربي. «فيدرالية اليسار» تدعو عملياً إلى المشاركة في مؤسسات الدولة المُنتخبة (البرلمان بغرفتيه والمجالس المحلية) وفي العمل النقابي والحقوقي، وإلى رفع مطلب الإصلاح السياسي إلى أقصاه، والمطالبة بنظام الملكية البرلمانية. أما «جماعة العدل والإحسان»، فإنّها تتخذ موقفاً أكثر جذرية يتمثل في رفضها ليس فقط للمشاركة في المشهد السياسي من خلال تأسيس حزب على غرار «حزب العدالة والتنمية» (الإخواني)، بل ترفض ضمنياً أيضاً الاعتراف بأكبر منصب رمزي وتنفيذي في النظام الملكي، والذي يتمثل في «إمارة المؤمنين»، وهي تحتفظ في شأنه بموقف مؤسس الجماعة الراحل الشيخ عبد السلام ياسين، الذي كان يعتبر الملكية المغربية جبرية، أي إكراهية. ومن الاختلافات الأديولوجية بين الطرفين، ما يأخذ أبعاداً أكثر حدة من خلال تشكيك مكونات «فيدرالية اليسار» في نيات «جماعة العدل والإحسان» باعتبارها تنظيماً مغموساً في الإسلام السياسي الذي لا يعترف بالتنظيم الديموقراطي للدولة ويتخذه مطية عبر التكتيك السياسي المرحلي للاستيلاء على السلطة.
وبينما حقق حزب يساري راديكالي هو «النهج الديموقراطي»، الذي أسّسه بعض كبار قادة اليسار الماركسي اللينيني في سبعينيات القرن الماضي (حركة إلى الأمام)، تقارباً مدهشا في الرؤى السياسية مع «جماعة العدل والإحسان» منذ نحو عقد من الزمن، فإن الاختلاف بين «فيدرالية اليسار» و«الجماعة» لا يني يتسع وتتعمق هوته، ليظهر ذلك في موقفيهما من المسيرة التضامنية مع معتقلي حراك الريف.
عقب تنظيم المسيرة التضامنية صباح يوم الأحد، ثار نقاشٌ بين قياديين في «فيدرالية اليسار» وفي «جماعة العدل والإحسان»، بعدما اعتبر القيادي في الأخيرة عمر إحرشان، أنّ «فيدرالية اليسار» امتطت ملف معتقلي حراك الريف وسعت للاستحواذ على المسيرة «لغايات سياسية بحتة». لكنّ قياديين من «فيدرالية اليسار» ردوا بحدّة على إحرشان، وقالوا إنّ في نبرة كلامه ومضمونه تعالياً ووصايةً على المجتمع ومكوناته، بما يتماشى مع النزعة التوسعية للتنظيمات الإسلامية.
حالياً، تُعدّ «فيدرالية اليسار» لمسيرة تضامنية جديدة يوم الأحد المقبل في الرباط، ما ينذر باحتدام الخلاف مع «الجماعة» وظهور أسس الخلافات السياسية والأيديولوجية أكثر إلى العيان. لكنّ من يراقب المشهد لن يفوته أنّ من تداعيات ونتائج صراعات كهذه منح الأساس السياسي اللازم للنظام الملكي ليقبض على زمام الأمور كلها في البلاد، وليفرض خياراته فيها على جميع الفرقاء، بما في ذلك ما يخص ملف حراك الريف.