تجدّد القتال في العاصمة الليبية طرابلس، أمس، وذلك لليوم السادس على التوالي، بعد انهيار هدنة لم تر النور كثيراً، في وقت باتت فيه الاشتباكات، التي انطلقت بقوات محدودة، تقترب من مركز العاصمة، جراء انخراط ميليشيات جديدة في القتال، وبروز «تحالفات» في ما بينها تنذر باتساع رقعة القتال وآثاره، الأمر الذي دفع «المجلس الرئاسي» إلى إعلان «حالة الطوارئ الأمنية في طرابلس وضواحيها».

حتى الآن، شملت آثار القتال سقوط قذائف عشوائية على كامل مناطق المدينة تقريباً، من بينها قذيفة سقطت داخل مطار معيتيقة، وأوقفت حركة الطيران في المطار الأخير المتبقي في العاصمة بعدما دُمّر مطار طرابلس الدولي قبل أعوام. الاشتباكات التي اندلعت الاثنين الماضي بدأت مع إعلان «اللواء السابع مشاة» إطلاق عملية لـ«تطهير طرابلس من دواعش المال العام»، في إشارة إلى المبليشيات الطرابلسية التي ازدادت قوة من الناحيتين العسكرية والمالية منذ انسحاب غالبية قوات مدينتي مصراتة والزنتان، وقدوم حكومة «الوفاق الوطني»، برئاسة فائز السراج. وينتمي «السابع» (يعرف أيضاً باسم «الكانيات» نسبة إلى عائلة الكاني التي تديره) في الأصل إلى مدينة ترهونة التي تقع على بعد نحو 90 كيلومتراً جنوبي العاصمة. لكن قراراً صدر عن «الوفاق» العام الماضي قضى بدمج هذا اللواء ضمن التشكيلات التابعة لـ«الحرس الرئاسي»، وسُمح له بالانتشار جنوبي العاصمة.
أما الميليشيات التي أعلن «اللواء السابع» استهدافها، فهي تتبع بدورها لوزارة الداخلية، ما يعني أن الاشتباكات عند انطلاقها كانت تدور بين قوات حكومية خالصة، الأمر الذي أجبر رئيس «المجلس الرئاسي» على دعم طرف على حساب آخر. وبما أن «اللواء» هو من بدأ بالهجوم، ولم يكن يسيطر سوى على مناطق بعيدة عن مركز المدينة، حظيت بقية الميليشيات بدعمه، لكن «الرئاسي» أعلن في ما بعد أن «الكانيات» لم يعد تابعاً لـ«الحرس الرئاسي» منذ نيسان/ أبريل الماضي، واصفاً إياه بـ«قوة معتدية» قبل أن يوجه طائراته لقصف مقاره في العاصمة وترهونة.

تقترب الاشتباكات من مركز طرابلس مع انخراط ميليشيات جديدة في القتال


على كل، لم تبقَ تركيبة الأطراف المتصارعة بسيطة على النحو الذي انطلقت به، إذ انضمت «كتيبة الصمود»، التي يقودها صلاح بادي المنتمي إلى مدينة مصراتة وأحد قادة عملية «فجر ليبيا»، إلى «اللواء السابع»، في تحالف غريب. كما وردت أنباء عن انضمام قوات الرائد عماد الطرابلسي، المنتمي إلى مدينة الزنتان، إلى قوة أخرى من مدينة تاجوراء الواقعة شرقي العاصمة. وهنا تكمن المفارقة، إذ إن هذه القوى متنافرة سياسياً، ففيما لا يبرز «اللواء الرابع» ولاءً سياسياً واضحاً، يُعرَف صلاح بادي بمساندته الإسلاميين. وعلى عكسه، كان الطرابلسي، من أشد المناوئين لهم. فضلاً عن ذلك، كلفت حكومة «الوفاق» الأخير قبل أقل من شهرين ترؤس «جهاز الأمن العام»، وها هو الآن يحاربها. ومن المحتمل أن يكون اتفاق المصالحة بين مدينتي مصراتة والزنتان، الموقع بداية هذا العام، قد سهّل تشكيل «التحالف» الجديد.
على الجهة المقابلة، يتشكل «التحالف» الموالي لحكومة «الوفاق الوطني» من الميليشيات التابعة لوزارة الداخلية، من بينها «قوة الردع الخاصة» التي يقودها الشيخ السلفي عبد الرؤوف كارة، و«كتيبة ثوار طرابلس» التي يقودها هيثم التاجوري (لا يعرف عنه ولاء سياسي خاص، لكن مصادر مطلعة قالت لـ«الأخبار» سابقاً، إنه يتردد إلى الإمارات، في زيارات غير معلنة)، و«قوات الأمن المركزي» (فرع منطقة أبو سليم) التي يقودها عبد الغني الككلي وعائلته، و«كتيبة 301» التي تنتمي إلى جهات من مدينة مصراتة، و«كتيبة النواصي»، إضافة إلى ميليشيات أخرى أقل قوة.
ميدانياً، لا يُعرف مجال سيطرة الجهتين المتقاتلتين بوضوح إلى الآن، وخاصة أن «التحالفات» على الأرض لم تتبلور بعد. وفي انتظار اكتمالها، وجّه «السابع» فجر أمس نداءً إلى سكان بوسليم وصلاح الدين الشعبيتين يدعوهم إلى الخروج من منازلهم لتجنب آثار القتال، كما أعلنت منظمات إنسانية نزوح عشرات العائلات التي فُتحت أبواب المدارس أمامها في مركز العاصمة لتلجأ فيها، كما أفاد بنصب مستشفيات ميدانية. وفيما هرب أكثر من ألف سجين من سجني «عين زارة» و«الرويمي»، ترددت أنباء عن تسريح مئات المهاجرين غير الشرعيين من أحد مخيمات الإيقاف، بعد تعذر إمكانية إطعامهم وحمايتهم، وحدوث عمليات نهب للمحال التجارية والمساكن المهجورة.
ورغم توجه الأنظار نحو طرابلس بسبب شراسة القتال، وآثاره السياسية الممكنة، فإن التوترات الأمنية لم تنحصر فيها. إذ مع إعلان المشير خليفة حفتر «تحرير مدينة درنة من الإرهاب» في حزيران/ يونيو الماضي، لا تزال الاشتباكات تدور بين قواته و«قوة حماية مدينة درنة»، وقد استهدفت طائرات تابعة لحفتر أمس أحياء خارجة عن سيطرته في المدينة الساحلية. وأول من أمس، أعلن مستشفى «الهريش» في درنة استقبال 11 قتيلاً و19 جريحاً من قوات حفتر. أما في سبها، المدينة الواقعة في الجنوب الغربي الليبي، فتتجدد نزاعات متفرقة بين قبائل عربية وأخرى من التبو والطوارق، إذ أعلن عميد بلدية المدينة، حامد الخيالي، أمس، انفجار سيارة مفخخة أمام مقر «الكتيبة 116 مشاة»، التابعة لقيادة الأركان العامة لقوات حفتر.