عاد الرئيس الجزائري عبد العزيز بوتفليقة من رحلة علاجية استمرت 6 أيام في جنيف، أول من أمس، موقفاً سيلاً من الإشاعات التي تصب في أن وضعه الصحي لا يسمح له بالترشح لولاية خامسة. تارة شاع الحديث عن دخول بوتفليقة قسم الإنعاش في المستشفى الذي نقل إليه في جنيف، وتارة أخرى دار كلام عن أنه سيعود ويقدّم استقالته، حتى إن البعض ذهبوا إلى إعلان وفاته! لكن ذلك كله بقي في دائرة الاشاعات التي دوماً ما ترافق رحلاته الطبية، والتي تنتهي مع عودته، كالعادة، من دون أي إشكال.

وفق قنوات مقرّبة من السلطة، كشفت الفحوصات الأخيرة عن أن وضع بوتفليقة الصحي سليم عموماً، بخلاف ما كان يتردد لدى المعارضة. لكن ذلك يبقى يفتقر إلى الدليل القاطع الرسمي، إذ إن الرئاسة لا تكشف أبداً عن نتائج الفحوصات التي يجريها الرئيس، ولا عن طبيعة العلاج الذي يخضع له، بل تكتفي بإعلان ذهابه وعودته من الخارج.
وفي الأيام التي صاحبت عملية استشفائه الأولى في باريس، اضطرت الرئاسة إلى الكشف عن إصابته بجلطة دماغية، تحت ضغط الرأي العام، وقالت إنها لم تؤثر في وظائفه الحيوية.
وما زاد حدة الجدل الذي صاحب رحلة الرئيس الأخيرة هو التوقيت، إذ جاء في ظرف حساس شهدت فيه الجزائر تغييرات عسكرية في مناصب كبيرة في الجيش. وقد أشارت قراءات عدة إلى أن تلك التغييرات تأتي في إطار ترتيبات ما قبل الانتخابات الرئاسية، وهناك من اعتبرها نهاية لمشروع العهدة الخامسة، على اعتبار أن الأسماء المقالة تعتبر من الموالين لبوتفليقة، لكن كل ذلك بقي في إطار التخمينات التي لا تستند إلى معلومات ووقائع مثبتة.
وبمجرد عودة الرئيس، انتعشت آمال أنصاره الذين كانوا قد بدؤوا حملة انتخابية له. ومن الفور، عقد الأمين العام لحزب «جبهة التحرير الوطني»، جمال ولد عباس، لقاءً مع 15 حزباً آخر من الموالاة أمس، يقودهم كاتب الدولة السابق بلقاسم ساحلي، باركوا فيه عودة الرئيس بـ«صحة وعافية». وأوضحت الشخصيات المساندة لبوتفليقة أنها ستمضي في مشروعها الداعم له، كما أعلنت، بمناسبة تأسيسها «جبهة شعبية لضمان استقرار الجزائر»، صمودها ضد ما يرونه المناورات الداخلية والخارجية التي تستهدفها، وذلك في استجابة سريعة لرسالة كان قد وجهها الرئيس في هذا المضمون في الـ20 من آب/ أغسطس الماضي.
وعلى رغم تأكيدات أنصار بوتفليقة، فإن ترشحه لولاية رئاسية خامسة يبقى محل شك، كون الأخير لم يقدم حتى الآن أي إشارة رسمية تفيد بذلك. وهناك من يتحدث في الكواليس عن أن الرئيس لا علاقة له تماماً بالحملة التي يقيمها أنصاره من أجل ترشحه، بل يذهب مقربون من دوائر الرئاسة إلى القول إن «الخامسة» ليست في وارد الرئيس.
ما قد يعزز هذا الاتجاه، أن بعض الموالين للرئيس في الفترة الأخيرة غيّروا طبيعة طرحهم؛ فبدلاً من الدعوة إلى ولاية خامسة، أصبحوا يدعون إلى استمرارية في الرئاسة، على أن يتم تعديل الدستور بما يسمح لبوتفليقة بالتمديد، واستحداث منصب نائب رئيس، وهو ما يبين على الأقل عدم وجود إيعاز فوقي يوحد خطاب الموالين.
ويرى جزء من المعارضة أن حظوظ العهدة الخامسة تقلصت في الفترة الأخيرة، معتقدين أن حراك الموالاة لا يدل في شيء منه على أن الرئيس قد قرر فعلاً الترشح. ويعتقد عبد الرزاق مقري، وهو رئيس «حركة مجتمع السلم»، أن «أحزاب الموالاة تفتقد المعلومة النهائية بشأن ترشح الرئيس، لذلك هي تتخبط كثيراً في مواقفها».
في المقابل، يعتقد متابعون أن عدم حديث بوتفليقة عن رغبته في الترشح لا يسقط مشروع الولاية الخامسة. الصحافي حميد غمراسة يرى، في حديث إلى «الأخبار»، أن «ثمة مؤشرات كثيرة تدل على رغبة الرئيس في التمديد، أهمها الزخم الذي يثيره الموالون له بخصوص الدعوة إلى الاستمرار حفاظاً على الاستقرار»، ويضيف غمراسة أنه «يوجد إجماع لدى من يعرفون الرجل عن قرب على أنه يريد البقاء في الحكم إلى النهاية».
ودأب بوتفليقة في المرات السابقة على انتظار اللحظات الأخيرة لإعلان الترشح، لذلك يرجح بلقاسم ساحلي، وهو رئيس حزب «التحالف الوطني الجمهوري» الموالي للرئيس، أن يعلن الأخير رسمياً ترشحه بعد كانون الثاني/ يناير المقبل.