وسط هدوء حذر، انتهى الاجتماع الثاني برعاية الأمم المتحدة إلى تثبيت وقف إطلاق النار في العاصمة الليبية طرابلس. وبناءً على الاجتماع الأول، الذي عُقد الثلاثاء الماضي، خرج المتقاتلون أمس بالاتفاق على «تجميد حركة القوات، واستحداث آلية مراقبة وتحقّق لتثبيت وقف إطلاق النار، ووضع خطة لانسحاب التشكيلات المسلحة من المواقع السيادية والمنشآت الحيوية، وإحلال قوات نظامية» مكانها، بحسب ما جاء في بيان بعثة الأمم المتحدة.

وضع المبعوث الخاص للأمم المتحدة، غسان سلامة، الحاضرين أمام خيارين: إما الحرب المباشرة أو التفاوض، داعياً إلى «تصحيح الأوضاع من خلال التفاهم... بدلاً من التعارك وسفك الدماء وتدمير العاصمة»، وهو ما لن يتم إلا بتوفير وقت كافٍ للعسكريين للتفاهم حول الترتيبات العملية لتنفيذ الاتفاق، التي تؤمنها الاجتماعات المتكررة برعاية أممية.
كلام سلامة يكشف عن المنهج الذي تتبعه الأمم المتحدة، ومن ورائها الدول الكبرى، في التعامل مع أزمة طرابلس، وهو وقف القتال أولاً تمهيداً للبحث عن «حل وسط». ولكن بقدر ما لهذا المنهج من إيجابية لقدرته على توفير السلم، إلا أنه يحمل سلبيات بالنسبة إلى حكومة فائز السراج. فجلوس أطراف الاشتباكات على طاولة مستديرة يضعف موقف حكومة «الوفاق الوطني» المُعترَف بها دولياً، ويضفي «شرعية» على وجود تلك الميليشيات، بل قد يفتح الباب أمام ميليشيات أخرى غير راضية بنصيبها من الموارد الاقتصادية للعبث بأمن العاصمة، طمعاً بمفاوضات تحفظ لها مكانتها على الطاولة.

جلوس أطراف القتال إلى الطاولة يضعف موقف حكومة «الوفاق الوطني»


وبعيداً عن ميزان إيجابيات الحل الأممي وسلبياته، إلا أنه لم يثبت حتى الآن نجاحه التام. فرغم حالة الهدوء الحذر التي تعيشها العاصمة طرابلس منذ توقيع اتفاق وقف إطلاق النار الأسبوع الماضي، لا يبدو أن الميليشيات المتنازعة راضية بما طرحه الآخر على الطاولة. من جهة، أصدر «اللواء السابع مشاة» بياناً أمس عبّر فيه عن ترحيبه «بكافة الحلول، ومنها الحلول السلمية التي تفضي إلى تحقيق مطلب الشعب الليبي، وهو حلّ الميليشيات في العاصمة»، ومن جهة ثانية أكد أنه «مستمر في عملية تطهير طرابلس من هذه الميليشيات»، وبرّر جلوسه على طاولة المفاوضات بمسعاه «لتحقيق هدف العملية بأقل الخسائر».
اللهجة التي جاء بها بيان «اللواء السابع» تشي بأن الأخير لم يتراجع بعد عن هدفه الذي أطلق الهجوم لأجله، وهو «تخليص العاصمة من دواعش الأموال العامة»، قاصداً الميليشيات الطرابلسية التي تضخمت في الأعوام القليلة الماضية إثر خروج أغلب قوات مدينتَي مصراتة والزنتان من العاصمة، وصارت تتبع وزارتَي الداخلية والدفاع في حكومة «الوفاق الوطني»، وتتلقّى إضافة إلى الاعتمادات الرسمية (رواتب وأموال تسليح) إتاوات من الشركات والمحال التجارية، وتنخرط في تجارة العملة الصعبة.
في المقابل، لا يقلّ موقف ميليشيات العاصمة حدة عن «اللواء السابع». وعلى رغم عدم إصدارها بيانات في الأيام الماضية، إلا أن الأنباء المسربة تشير إلى عقدها اجتماعات تنسيقية في ما بينها لتوحيد الجهود في حال عودة القتال، مع الإشارة إلى أن الميليشيات الطرابلسية الكبرى، على غرار «كتيبة ثوار طرابلس» و«قوة الردع الخاصة» و«النواصي» و«الإدارة العامة للأمن المركزي ـــ فرع أبو سليم»، لن تتنازل بسهولة عمّا راكمته من مكتسبات، وفق ما تبين التصريحات وعمليات التعبئة خلال فترة القتال.
الرهان المطروح اليوم على بعثة الأمم المتحدة والقيادات السياسية في العاصمة هو محاولة لتجنيب طرابلس سيناريو التدمير الكلي، من خلال اللجوء إلى الترتيبات الأمنية الواردة في اتفاق الصخيرات، المرجع الرئيس للعملية السياسية. وتنصّ تلك الترتيبات أساساً على إخراج الأسلحة الثقيلة من المناطق السكنية في طرابلس، ثم دمج التشكيلات المسلحة ضمن المؤسسات العسكرية والأمنية الرسمية. وستكون الفترة القصيرة المقبلة محدِّدة لمصير تلك الترتيبات، خاصة سلسلة الاجتماعات التي من المنتظر عقد ثالثها خلال الأيام المقبلة، فإذا لم يتمّ التوصل خلالها إلى اتفاقات نهائية، أو في حال خرق وقف إطلاق النار قبل انعقادها، لن يكون أمام العاصمة سوى مزيد من التدمير.