بدأت حكومة «الوفاق الوطني» تنفيذ ما كانت قد توعّدت به عندما أطلقت عملية «بركان الغضب»، لمواجهة هجوم قوات المشير خليفة حفتر على طرابلس في الرابع من الشهر الحالي. حينها، توعدت بأن العملية لن تقتصر على الدفاع عن العاصمة، بل ستتوسع إلى هجوم مضاد يشمل كل البلاد. وبعد أسبوعين على المعارك التي بدأت تشهد «جموداً»، كما أشار المبعوث الأممي غسان سلامة، دشّنت الحكومة المعترف بها دولياً، في ظلّ الانقسام الدولي، وعدها أمس، بدفع قوات تتبع لها للهجوم على قاعدة «تمنهنت» الجوية جنوب غرب البلاد، وإصدار المدعي العام العسكري التابع لها أوامر جلب بحق حفتر وعدد من قادة قواته، فيما أعلن رئيس المجلس الأعلى للدولة، خالد المشري، أن الهدف التالي لقواتهم هو السيطرة على منطقة الجفرة، الرابطة بين شرق البلاد وغربها، والتي تعتبر المنطلق الرئيس لقوات حفتر.

تحركات «الوفاق» العسكرية، يصحبها تحرك سياسي في الساحة الدولية، بدأ أمس يأخذ منحىً أكثر وضوحاً، بتوجيه أصابع الاتهام إلى داعمي حفتر، ولا سيما فرنسا والإمارات ومصر. إذ أصدر وزير الداخلية، فتحي باشاغا، تعليمات لمدير إدارة العلاقات والتعاون في الوزارة، تقضي باتخاذ جميع الإجراءات لـ«إيقاف التعامل مع الجانب الفرنسي في الاتفاقيات الأمنية الثنائية... وكذلك في المجالات التدريبية أو الأمنية، أو أي اتفاقيات أخرى»، مبرراً ذلك بـ«موقف الحكومة الفرنسية بدعم المجرم حفتر المتمرد على الشرعية». كما تحدث رئيس المجلس الأعلى للدولة، خالد المشري، بصراحة أكثر عن الدور الإماراتي والمصري. وقال، في مؤتمر صحافي، إن «دولة الإمارات... وتحديداً إمارة أبو ظبي، تسعى فساداً في كل الدول العربية لمنع قيام الديموقراطية»، مؤكداً أنها «تقدم الدعم المباشر (لقوات حفتر)». وأوضح أن «ما تم غنمه من عربات مصفحة إماراتية، جاء بتواريخ حديثة بعد الحظر (على توريد الأسلحة)، وهي أسلحة قتالية، وكذلك توجد ذخائر لدى هذه القوات هي صناعة مصرية حديثة».

دعا المبعوث الدولي أعضاء مجلس الأمن إلى منع «الاشتعال الشامل»


وفي ضوء التحركين العسكري والسياسي لحكومة «الوفاق»، خرج غسان سلامة عن الحياد الذي أبداه منذ انطلاق الهجوم، والذي تمثل في تبنّي لغة من قبيل حثّ «الجميع» على عدم الاحتكام إلى السلاح. وأقرّ في تصريحات لوكالة «فرانس برس»، أمس، بأن «الانقسامات الدولية قبل الهجوم شجعت حفتر على شن حملته على طرابلس»، محذراً من «اشتعال الوضع»، الذي لفت إلى أنه «يشهد جموداً عسكرياً». ودعا سلامة، أطراف مجلس الأمن الدولي، إلى «أن تتحرك أكثر، وتكون موحدة أكثر، لمنع مثل هذا الاشتعال الشامل»، بعدما عرقلت كل من فرنسا وروسيا محاولتين لإصدار بيان من المجلس يدين الهجوم على طرابلس.
ميدانياً، وفي سبيل «الهجوم المضاد» الذي تمهد له حكومة السراج، عادت «قوة حماية الجنوب» إلى المشهد مجدداً أمس، بعد شهرين من تواري الأخبار عنها منذ سيطرة حفتر على أغلب مناطق الجنوب الغربي للبلاد، وأصدرت بياناً أعلنت فيه سيطرتها «على قاعدة تمنهنت الجوية»، ووضعت ذلك «في إطار عملية بركان الغضب لتطهير المدن الليبية». هذا التحرك المباغت، فجراً، أدى إلى سيطرة قوات الوفاق على القاعدة الواقعة قرب مدينة سبها، عاصمة الجنوب الغربي، حيث نفذت عمليات تمشيط في محيطها. لكن قوات حفتر زعمت أن من قام بالعملية هي ميليشيات من المعارضة التشادية، مستشهدة بشريط مصور يتحدث فيه مقاتلون قرب القاعدة بلغة غير عربية، لترد «قوة حماية الجنوب» على هذا الادعاء بأن وسائل الإعلام الموالية لحفتر ادّعت ذلك «لأنهم لا يعترفون إلا باللون الواحد»، على اعتبار أن قوات «الوفاق» «تؤمن بالتعددية الثقافية، وتتحدث بجميع لغات الأمة الليبية (العربية والتباوية والتارقية والأمازيغية)». وهنا، تجدر الإشارة إلى أن قوات «الوفاق» في الجنوب الغربي يقودها الفريق علي سليمان كنه، الذي ينتمي إلى الطوارق (يتحدثون بإحدى اللغات الأمازيغية). كما تشارك في صفوفها مجموعات عسكرية من «التبو»، وهم أقلية لها امتدادات في التشاد والسودان، مع العلم بأن قيادات وجنوداً من الأقليتين يشاركون أيضاً في صفوف قوات حفتر.
وبالتوازي مع محاولاتها العسكرية توسيع رقعة المعارك بعيداً عن طرابلس، أصدر المدعي العام العسكري التابع لوزارة دفاع حكومة «الوفاق»، أوامر قبض على «اللواء خليفة حفتر» كما ذكر في رتبته، في إشارة إلى عدم الاعتراف بالترقيات التي تحصّل عليها من برلمان شرق البلاد، بالإضافة إلى ستة من أهم قيادييه العسكريين، من بينهم آمر المنطقة العسكرية الغربية عبد السلام الحاسي، وقائد القوات الجوية صقر الجروشي. ويأتي ذلك، بعد أسبوع على إصدار النائب العسكري الموالي لحفتر في شرق البلاد أمر جلب بحق عدد من الفاعلين العسكريين والمدنيين في غرب البلاد، من بينهم فائز السراج نفسه، وأعضاء مجلسه الرئاسي.