بعد شهر ونصف شهر من الهجوم المباغت لقوات المشير خليفة حفتر على طرابلس، وانحسار المعارك في حدودها الجنوبية، تعمل حكومة الوفاق على الانتقال من الدفاع إلى الهجوم بدعم من حلفائها الإقليميين. وقد وصلت، ضمن هذا التوجّه، شحنة دعم عسكري أولى من تركيا، السبت الماضي، تتكون من عشرات المدرعات القتالية ومئات قطع السلاح الأخرى.

على مدى أعوام، اتهم محور المشير خليفة حفتر، المسيطر على شرق ليبيا، الفاعلين في طرابلس بتلقّي دعم عسكري من تركيا وقطر. وتواصلت الاتهامات حتى بعد تأليف حكومة الوفاق بدعم دولي عام 2016، وما أعقب ذلك من إخراج لحكومة الإنقاذ وميليشياتها من طرابلس، وتقليص لنفوذها تدريجياً. لم ترغب حكومة الوفاق في أن تكون محسوبة على محور إقليمي، لكن مع تواصل الدعم الممنوح لحفتر من قِبَل محور السعودية ــــ الإمارات ــــ مصر، وجدت الأولى نفسها حليفاً موضوعياً لقطر وتركيا، سياسياً في مرحلة أولى، والآن عسكرياً.
ظلّت الاتهامات بتلقّي أسلحة في الأعوام الماضية تدور في فلك الافتراضات، إذ لم تخرج أدلة فعلية إلى العلن تفيد بوجوده، أو على الأقلّ وجوده بالكميات والأنواع المبالغ فيها وفق ما يعلنه محور شرق البلاد على نحو منتظم (راجع: «تركيا وهجوم طرابلس: هل ينتهي التحفظ؟»، الأخبار، العدد 3747)، علماً بأن أسباب تقليص الدعم التركي والقطري لغرب ليبيا كثيرة، ومن أهمها التطورات التي طرأت على الميدان، من حيث تراجع نفوذ الإسلاميين وبروز ميليشيات طرابلس المعادية لهم، لكن يبدو أن هذا التحفظ بدأ بالزوال إزاء التهديد الوجودي الذي يواجه الفاعلين في طرابلس الكبرى.
بوادر التغيير بدأت تبرز مع وصول فتحي باشاغا إلى سدّة وزارة الداخلية في حكومة الوفاق، إذ إن الرجل، الذي تتلاقى أفكاره مع التوجهات التركية، عمل منذ تولّيه المنصب على تقليم أظافر ميليشيات طرابلس، عبر السعي إلى تطويعها ضمن ترتيبات أمنية جديدة، وشنّ هجمات دورية عليها تتّهمها بتعكير الأمن، وقد وصلت العلاقة بينه وبينها إلى حدّ القطيعة وإعلان الميليشيات عدم اعترافها بقرارات رئيس المجلس الرئاسي للحكومة، فائز السراج، في حال حملت توقيعه وحده في غياب توقيعات باقي الأعضاء. ومع الوقت، تعاظمت مخاوف الميليشيات الطرابلسية، خاصة أن باشاغا يحظى بدعم تشكيلات عسكرية قوية من مدينة مصراتة، وبعضها أشرف هو نفسه على إدارته إبان الحملة لإسقاط نظام معمر القذافي. وقد وصلت اتهامات الميليشيات للوزير في حينها حد الإشارة إلى دور تركي في دعم مشروعه، وذلك بعد وصول حوالى تسع سيارات مصفحة وقتالية.

يفتح الدعم التركي الباب أمام تدخل أكبر من التحالف الثلاثي الداعم لحفتر


في واقع الأمر، لم تكن الميليشيات مخطئة، إذ يحظى باشاغا بثقة تركيا. أسباب تلك الثقة متنوعة، منها مواقفه الحازمة ودوره في ليبيا خلال الثورة على القذافي، ولاحقاً في عملية «فجر ليبيا»، ومقاطعته أنشطة برلمان شرق البلاد، ثم مع توليه الوزارة، لكن بينها أيضاً عوامل شخصية ترتبط بانحداره من «كراغلة» مدينة مصراتة (الكراغلة مصطلح يستخدم للإشارة إلى الذرية الناتجة من زيجات الأتراك). زار الرجل عدة مرات تركيا في الأشهر الأخيرة، أبدى خلالها إعجابه بتجربتها، وسعى إلى تأسيس تعاون أمني معها، ولم يخف الأتراك كذلك إعجابهم به وبمشروعه. لم تقلق تلك الزيارات أطرافاً محليين فقط، بل كذلك دوليين، فحين سئل أخيراً عن دور بلاده في دعم حفتر، أجاب وزير الخارجية الفرنسي، جان إيف لودريان، بقوله إن باشاغا «الذي يُهاجم فرنسا بانتظام، ويندّد بتدخلها المزعوم في الأزمة، لا يتردد في قضاء بعض الوقت في تركيا».
وقد تطور اهتمام تركيا بليبيا مع قدوم باشاغا بشكل ملحوظ، وهو ما أسهم في وصول الدعم العسكري لحكومة الوفاق، وآخره السبت الماضي، حين رست سفينة شحن ترفع علم مولدوفيا في ميناء طرابلس، تحمل حوالى 40 مدرعة قتالية من طراز «بي أم سي كيربي»، وعشرات الرشاشات البلغارية الصنع، وعشرات الصواريخ المضادة للدروع، وعدداً كبيراً من صناديق الذخائر، وجدت في انتظارها عدداً من قادة الكتائب العسكرية التي تقاتل ضد حفتر، وقد تسلّم كل منهم حصته من حمولتها، وانطلقوا بها نحو الجبهات والمخازن.
وانطلقت السفينة، التي تحمل اسم «أمازون»، من ميناء سامسون في تركيا في الـ21 من الشهر الماضي، ما يعني أنها سبقت حتى اتصال الرئيس التركي بفائز السراج، الذي أكد له فيه أن بلاده «ستقف بكل حزم إلى جانب الليبيين، وستدعم الحكومة الشرعية المتمثلة في حكومة الوفاق الوطني». لكن الأكثر أهمية، هو علاقة قطر بالشحنة؛ ففي حين تحاول الإمارة عدم الزجّ باسمها في عمليات تسليح مباشرة لحكومة غرب ليبيا، خشية الموقف الأميركي ربما، تبيّن أن «صندوق الاستثمار القطري» يمتلك نصف أسهم شركة «بي إم سي»، المُصنِّعة لذلك النوع من المدرعات.
لكن، بقدر احتفاء الفاعلين في غرب ليبيا بهذا الدعم العسكري، إلا أنه يمكن أن يكون معطىً سلبياً بالنسبة إلى ليبيا بشكل عام. فمن الناحية المقابلة، استقبلت وسائل الإعلام المصرية والإماراتية والسعودية الخبر بمزيد من التحشيد ضد حكومة «الوفاق»، وقد يؤدي الأمر إلى تدخل أكبر من هذا التحالف الثلاثي الداعم لحفتر، خاصة عبر الطائرات، ما يقود إلى تدمير أكبر وضحايا أكثر، وإطالة لعمر الحرب. ويتم كل هذا تحت أنظار المؤسسات الدولية، التي يشلّها الانقسام في المواقف، وإذا لم يحصل توافق على وقف الحرب، فستستمر الأسلحة في التدفق، رغم وجود حظر أممي على توريده.