الجزائر | ينظر الجزائريون عموماً إلى واقعهم بتفاؤل ممزوج بالخوف والقلق على مستقبل بلادهم. وهي حالة قد تكون نابعة من حرصهم على عدم تضييع ما تحقق من مكاسب كبيرة منذ 22 من شباط/ فبراير، تاريخ انطلاق الحراك الشعبي الذي أطاح الرئيس عبد العزيز بوتفليقة بعد 20 سنة من الحكم، ونجح في إفشال مشروع «الولاية الخامسة» التي كان يُريد شقيقه وباقي المنتفعين من حكمه، من خلالها، الحفاظ على نفوذهم باستغلال عجز الرئيس ومرضه الشديد. إنجازات لم يكن يحلم بها الجزائريون قبل هذا التاريخ، فقد كان الحال يشير إلى وضعية استسلام تامة لذلك الوضع، مخافة أن تنزلق الأمور إلى الفوضى. إلا أن الحراك الشعبي أعطى وجهاً مغايراً تماماً عن الصورة النمطية السائدة عن المجتمع الجزائري، من حيث كونه يميل إلى العنف، بما مكّن الجزائريين من اكتشاف أنفسهم من جديد، وأعاد إليهم حرية التعبير واحتلال الفضاء العام الذي حُرموه طويلاً، وهو ما دفع بهم إلى الاستثمار أكثر في هذه اللحظة التاريخية، من خلال عدم الاكتفاء برحيل بوتفليقة، ورفع سقف المطالب إلى تغيير جذري في النظام، وتمكين الشعب لأول مرة منذ استقلال البلاد عن المستعمر الفرنسي، من اختيار رئيسه عبر انتخابات حقيقية وليست صورية.

وقد دخل الحراك الشعبي اليوم، بعدما حقق المنجز الأول بإبعاد شبح بقاء بوتفليقة في الحكم، في مرحلة ثانية تُحاول التأثير قدر الإمكان في صناعة نظام جديد يؤسّس لقطيعة سياسية فعلية مع النظام السابق. لكن هذا التدافع بين الحراك والسلطة الحالية، مُمثَّلة بطرفها القوي قيادة الجيش، ولّد حالة انسداد سياسي، لم يستطع أي طرف فيها فرض منطقه على الآخر. فالسلطة تتمسك بإجراء انتخابات رئاسية بالآليات السابقة نفسها، وفي إطار قوانين مرحلة بوتفليقة، وتشدد على ضرورة ألّا يخرج الحل عن الإطار الدستوري الذي يتيح مخارج ضيقة، فيما يرفض الحراك هذا المنطق، ويردّد في كل أيام الجمعة مطالبه برفض انتخابات يشرف عليها رجال الرئيس السابق، وفي مقدمتهم رئيس الدولة الحالي عبد القادر بن صالح، ووزيره الأول نور الدين بدوي، خوفاً من تكرار تجارب تزوير الانتخابات السابقة التي ستعيد النظام السابق إلى الحكم، عبر وجوه جديدة فقط، وهو ما يمثل في نظر القيادات البارزة في الحراك الشعبي، انتكاسة إلى الوراء.

ظهر انقسام واضح في الشارع على أولويات المرحلة المقبلة ورؤى حل الأزمة


كذلك فإن هذا الانسداد بدأ في واقع الأمر يؤثر بالحراك نفسه، فظهر انقسام واضح في الشارع على أولويات المرحلة المقبلة ورؤى حل الأزمة. والأخطر من ذلك، ظهور خطاب هويّاتي يقوم على تخوين الآخر لمجرد الاختلاف في الرؤية السياسية، أو اتخاذ مواقف مضادة لما تقدمه القيادة العسكرية، التي بدأ يظهر متعصبون لها في الشارع كذلك. ووجدت القوى السياسية التي كانت متحالفة في دعم الرئيس السابق، في ظلّ هذه الأجواء، الفرصة مواتية للعودة إلى الساحة من باب دعم رئيس أركان الجيش، بعدما كانت منبوذة في الشارع الذي فرض عليها شبه حصار في مكاتبها. ويحاول حزب «جبهة التحرير الوطني» تحديداً، باعتباره أحد أهم أجهزة الحكم السياسية، التخلص من التركة السابقة، عبر إبعاد بعض المحسوبين عليه، كرئيس المجلس الشعبي الوطني (الغرفة الأولى للبرلمان)، عبد السلام بوشارب، كنوع من التقرب إلى الشارع الذي يطالب برحيل الأخير، وهو ما دفع نواباً من الحزب أمس إلى اقتحام مكتبه لمحاولة طرده، إلا أنه لا يزال يقاوم.
وفي ظلّ هذا الواقع، حاول وزير الخارجية سابقاً، أحمد طالب الإبراهيمي، الذي يمتلك بعض الرمزية في الشارع، توجيه النقاش من جديد، وتخليصه من الشوائب التي علقت به، ودفع المؤسسة العسكرية إلى القبول بحلّ يلبّي مطالب الحراك. ووجّه الإبراهيمي في رسالة ثانية (منفرداً هذه المرة بعد الأولى التي لاقت تجاهل السلطة الفعلية)، نقداً بشكل دبلوماسي مبطن لقيادة المؤسسة العسكرية، خاصة في ما يتعلق بتمسكها الحرفي بالدستور، قائلاً: «حقاً، إن المؤسسة العسكرية تتسم بالانضباط، وتفادي التدخل المباشر في الشأن العام، لكنها في هذا الظرف الخاص، يجب أن تُصغي إلى اقتراحات النخب وعقلاء القوم، وأن لا تكون سنداً لمؤسسات لا تحظى بالرضى الشعبي، حتى وإن كانت في وضع دستوري ثابت كان مبرمجاً لحالات عادية، وليست استثنائية كالتي نمرّ بها اليوم».
ولقاسم الإبراهيمي مخاوف موجودة في الشارع من إمكانية أن تكون لقائد الجيش نيات لإبقاء المؤسسة العسكرية متحكّمة خلف الستار بالقرار السياسي، فقال: «على المؤسسة العسكرية أن تكون قناة لتحقيق هذه الشرعية عبر الاستجابة الواضحة للمطالب الشعبية وفق قراءة واعية ومسؤولة للواقع السياسي وضغوطات المرحلة، بحيث لا تنحرف هذه المشروعية إلى إعادة إنتاج وسائل الحكم السابق وآلياته عبر عناوين جديدة يلتبس فيها مبدأ الاستقرار المؤسّساتي والدستوري بريبة المطامع السلطوية، التي لا تخلو منها أي نفس بشرية». ورافع الإبراهيمي، من أجل مخرج يجمع بين الحلّين الدستوري والسياسي، عبر تفعيل المادتين 7 و8، اللتين تتحدثان عن أن الشعب صاحب السيادة، والانطلاق من هذه القاعدة لصياغة حلّ يتناسب مع مطالب الحراك، غير ممانع في أن يساهم في هذا الجهد، وهو الذي عرض عليه بعض شباب الحراك رئاسة المرحلة الانتقالية.
ونجحت هذه الرسالة نسبياً في الجمع بين قسمين من الجزائريين (الداعون إلى المرحلة الانتقالية، والرافضون لها)، مثلما أظهرته النقاشات التي تلتها، بنحو يبعث على التفاؤل في إمكانية إيجاد تسوية، خصوصاً بعد خطاب الفريق أحمد قايد صالح، أمس، الذي نفى فيه أن تكون له أي طموحات سياسية شخصية في المستقبل.