انقضى الأسبوع الماضي على وقع تصعيد ميداني لافت في جنوب طرابلس، مع محاولة القوات الموالية لحكومة الوفاق التقدم على حساب قوات المشير خليفة حفتر. المعارك تسببت في سقوط عدد من القتلى والجرحى من الطرفين، إثر تبادل للغارات الجوية وإسقاط طائرتَي مراقبة مُسيَّرتين، وتدمير عربات قتالية ومصفحة، من دون أن تنتهي إلى تغيّر كبير في خريطة السيطرة. تركّز المعارك في قطاع محدّد، مقابل جمود باقي جبهات القتال، دفع الطرفين إلى الاعتماد بشكل متزايد على الضربات الجوية والقصف المدفعي، وهو ما عرّض مناطق سكنية لدمار كبير، جعل عشرات المنازل غير صالحة للسكن، وهجّر آلافاً من السكان نحو مناطق أكثر أماناً.

وإلى جانب مجريات الميدان وتعويل حكومة الوفاق على الاستفادة من التصدّعات داخل قوات حفتر، وإحداث خرق على الجبهة السياسية الداعمة له، ظهرت الجمعة الماضي حلقة مهمة في ضوء تلك التجاذبات، تمثّلت في وصول فائز السراج إلى السعودية، للمشاركة في قمة «منظمة التعاون الإسلامي». الزيارة اللافتة التي أفرزت ردود فعل متباينة لناحية آثارها الممكنة، تعود جذورها إلى منتصف الشهر الماضي، حين وصلت دعوة إلى «الوفاق» للمشاركة في القمة العربية الاستثنائية وقمة «التعاون الإسلامي». لم يلبِّ السراج الدعوة لحضور القمة العربية، واكتفى بإيفاد ممثل ليبيا في الجامعة العربية، وبدا ذلك رد فعل على الرفض الذي جوبهت به دعوته لعقد قمة استثنائية حول ليبيا مطلع شهر نيسان/ أبريل الفائت، أي مع انطلاق الهجوم على طرابلس، بحجة أن القمم الاستثنائية لا تُعقد إلا لتداول مستجدات القضية الفلسطينية. رغم ذلك، لبّى الرجل الدعوة إلى حضور قمة منظمة «التعاون الإسلامي»، وحضرها برفقة وزير خارجيته، محمد الطاهر سيالة، وصافح على هامشها الملك سلمان بن عبد العزيز، والتقى وليّ عهده محمد بن سلمان في جلسة خاصة.
بارك المساندون لهذه الخطوة محاولة السراج إحداث خرق في المحور الداعم لحفتر، واعتبروا أنه تشجّع على ذلك بغد خلوّ البيان الختامي للقمة العربية من تصريحات داعمة لهجوم حفتر، على رغم الموقف الحادّ الذي خرج عن الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، والذي جدد فيه الدعم لخليفه حفتر، بالقول إنه «لا يمكن القبول ببقاء عدة دول، بينها ليبيا، مرتهنة في سيادتها للميليشيات الإرهابية وأمراء الحرب». ويرى مناهضو حفتر أن الزيارة كانت ناجحة، أولاً لإثباتها أن «الوفاق» هي «الممثل الحصري لليبيا»، وقطعها الطريق على محور شرق البلاد وحكومته غير المعترف بها لتحقيق مكاسب سياسية. وثانياً لأن ابن سلمان أبرز «موقفاً معتدلاً» تجاه التطورات بتأكيده أن «لا حلّ عسكرياً في ليبيا، والحل يكمن في العودة إلى الحوار والتفاهم»، وكذلك إعرابه عن استعداد المملكة لـ«لعب دور في هذا الاتجاه، ودعم مشروع وطني ليبي يمثل الليبيين ويلبي رغباتهم».
على الجهة المقابلة، يرى معارضو توجهات السراج أن «حَجّه» إلى السعودية «تنازل غير مبرر» تجاه دولة تدعم حفتر بعدة طرق، أولها دينيّ عبر حضّ «المداخلة» على الانخراط في قواته. ومن بين هؤلاء عضو المجلس الأعلى للدولة، عبد الرحمن الشاطر، الذي قال عبر صفحته على «تويتر» إن «سياسة التوازن في هذه الظروف تعتبر سياسة تنازل وتخاذل في حق الوطن»، وأضاف أن «الجلوس مع مَن يبتسمون في وجوهنا ويطعنوننا من الخلف غدر للمرابطين على ثغور طرابلس، الذين يحاربوننا علناً علينا أن نشجبهم علناً، ففي حين يجلس معهم رئيسنا في مكة يقوم سلاحهم بقتلنا وهدم بيوتنا».



مساعٍ لاحتواء الخلافات داخل معسكر حفتر
تحاول قوات حفتر احتواء المشاكل داخلها، خاصة بين التشكيلات التي التحقت بها مع بداية الهجوم على طرابلس، والتي يتألف جزء كبير منها من ميليشيات كانت تُتهم من قِبَل المشير نفسه بأنها «إجرامية وإرهابية». من بينها مثلاً، ميليشيا قبلية في مدينة ترهونة تُعرف باسم «الكانيات» (نسبة إلى عائلة الكاني التي تتزعمها)، حُوّل اسمها مع بداية الهجوم إلى «اللواء التاسع»، في محاولة لإعطائها هوية جديدة. إلى جانبها ميليشيا في مدينة غريان، يقودها عادل دعاب، كانت قد شاركت قبل خمسة أعوام في عملية «فجر ليبيا» ضد قوات حفتر، قبل أن يشتري الأخير ولاءها، وتشارك إلى جانب قواته في معارك طرابلس. وتتالت، في الآونة الأخيرة، المؤشرات إلى تصدّعات داخل معسكر حفتر، كانت أبرزها القطيعة التي أعلنتها منطقة ورشفانة مع مدينة ترهونة، والتي جاءت على خلفية مقتل العميد مسعود الضاوي، وتوجيه الاتهام إلى قوات من ترهونة باغتياله، والذي تقول مصادر إنه مرتبط بخلاف حول توزيع الأسلحة وإدارة محاور القتال.