تتبادل قوات حكومة «الوفاق» والمشير خليفة حفتر محاولات المباغتة وشنّ هجمات سريعة، على أمل تحقيق تقدم جديد يكسر الجمود الميداني المستمر منذ أسابيع، لعل آخرها رمي قوات حفتر بثقلها على محور الرملة، أول من أمس، حيث نفذت عدداً من الغارات، في معركة امتدت لأكثر من عشر ساعات، من دون أن تسفر عن تقدم يذكر، بحسب المركز الإعلامي لـ«عملية بركان الغضب» التابعة لـ«الوفاق». كذلك، شهد محيط مطار طرابلس اشتباكات متفرقة، في وقت تحاول فيه قوات «الوفاق» استرجاعه، بعدما بسطت قوات شرق البلاد نفوذها على غالبية مساحته، منذ الأسابيع الأولى للهجوم.

في موازاة ذلك، ركّزت قوات حفتر على القصف الجوي على امتداد الأسبوع، فاستهدفت مطار معيتيقة الدولي في مناسبتين، وبرّرت الأمر بمحاولة تدمير طائرات مسيّرة قتالية تركية الصنع، تربض في الشق العسكري للمطار. إلا أن «الوفاق» أدانت الضربات، ونفت وجود مثل هذه الطائرات، محذرةً من مخاطر استهداف المطار المدني الوحيد العامل في العاصمة، خصوصاً أنه يشهد جهوداً لإرسال وفود ومساعدات إلى مدينة غات (الجنوب الغربي)، التي اجتاحتها سيول مدمّرة، وتعيش أزمة إنسانية حادة.
وتعمل قوات حفتر على إرسال تعزيزات عسكرية إلى جبهات طرابلس، على نحو أسبوعي، لمحاولة تحقيق خروقات داخل أحياء العاصمة ذات الكثافة السكانية العالية، والتي فشل حتى الآن في دخول أي منها. وأوجد هذا الاندفاع فراغات في مناطق سيطرة قواته، حيث تصاعدت وتيرة هجمات تنظيم «داعش» على نحو ملحوظ، كان آخرها هجومان مزدوجان بسيارتين مفخختين استهدفتا مقرات أمنية في مدينة درنة أقصى شرق البلاد. في غضون ذلك، عادت النزاعات الأهلية إلى مدن في جنوب غرب البلاد، حيث تتواصل الاشتباكات في مدينة مرزق بين قبيلة «التبو» وما يعرف بـ«الأهالي». وتعني هذه التسمية في السياق المحلي السكان السود غير المنتمين إلى مجموعتي «التبو» و«الطوارق»، وقد أدى الاقتتال ــ الذي تعود جذوره إلى ضغائن نشأت مع سيطرة قوات حفتر على المدينة بداية هذا العام ــ إلى سقوط 13 قتيلاً حتى الآن.
وفي ظل الخلافات الدولية التي تعطي الضوء الأخضر لحفتر للاستمرار في الهجوم، أدان المجلس الرئاسي لحكومة «الوفاق»، أول من أمس، «الصمت الدولي على جرائم استهداف القوات المعتدية على العاصمة للمنشآت المدنية». وإلى جانب مطار معيتيقة، أعلن المجلس أن قوات حفتر قصفت «مستشفيين ميدانيّين في منطقتي السواني وعين زارة جنوب طرابلس»، ما أدى إلى «إصابة أطباء ومسعفين ومواطنين»، مشيراً أيضاً إلى قصف «عدة مواقع في مدينة الزاوية، من بينها نادي الفروسية».

تلقّت «الوفاق» تطمينات من مشرّعين أميركيين بأن بلادهم تقف إلى جانبها


وفي إطار الحشد الدولي والحشد المضاد لطرفي القتال، روّجت وسائل إعلام مساندة لحفتر (على امتداد الأسبوع الماضي) خبراً عن زيارة مرتقبة له إلى الولايات المتحدة الأميركية، يلتقي خلالها الرئيس دونالد ترامب. وتأتي هذه الأخبار في ظل الانطباع السائد عن دعم الأخير لجهود الأول العسكرية، الأمر الذي تولّد عن اتصال هاتفي بينهما بعد أيام من إطلاق الهجوم على طرابلس في 4 نيسان/أبريل. لكن الخبر يبقى حتى الآن في إطار الإشاعة، إذ نفت وسائل إعلام أميركية، بينها قناة «الحرة» الناطقة بالعربية، وجود ترتيبات لزيارة مماثلة، نقلاً عن مسؤولين أميركيين.
وعلى عكس حفتر الذي لم يسمع منذ مدة تصريحات مساندة من واشنطن، تلقّت حكومة «الوفاق» تطمينات من مشرّعين أميركيين، بأن بلادهم تقف إلى جانبها. وجاء ذلك خلال زيارة نائب رئيس المجلس الرئاسي، أحمد معيتيق، إلى واشنطن لعدة أيام، حيث التقى بالسيناتورين الجمهوريين، ليندسي غراهام، المقرّب من ترامب، وعضو لجنة العلاقات الخارجية، تود يونغ، إضافة إلى مسؤولين في وزارة الخارجية. وفي تصريحات إعلامية لوسائل إعلام أميركية، قال معيتيق إنّ الاتصال الهاتفي بين ترامب وحفتر «أربك» حكومة طرابلس، لأنها ترى في الولايات المتحدة «حليفها الأساسي». لكنه أضاف أنه «سعيد بما سمعه من وزارة الخارجية»، التي تفهم جيداً «موقف حكومتنا والوضع في ليبيا»، خاتماً حديثه بالقول إنهم لا يريدون «دعماً أميركياً بالمال أو قوات ميدانية»، بل «دعماً دبلوماسياً وسياسياً» يستهدف خاصة كفّ يد الإمارات ومصر والسعودية التي تتدخل دعماً لحفتر.
وإلى جانب اللقاءات، وجّه 13 من أعضاء لجنة الشؤون الخارجية في مجلس النواب الأميركي رسالة إلى وزير الخارجية مايك بومبيو، تطالب بإعلان واضح لرفض واشنطن هجوم قوات حفتر على طرابلس، مشيرين إلى استفادة هذا الأخير من التباس موقف الولايات المتحدة تجاه ما يحصل في ليبيا. وليست هذه الرسالة الأولى من نوعها، إذ أرسل مشرّعون قبل فترة قصيرة رسالتين، الأولى إلى النائب العام بغاية فتح تحقيق حول شبهات جرائم حرب ارتكبها حفتر، بصفته يحمل الجنسية الأميركية، والثانية إلى ترامب نفسه يطالبونه فيها بدعم حل سلمي.
وتجدر الإشارة، هنا، إلى توقيع حكومة «الوفاق»، قبل هذا الحراك داخل الولايات المتحدة، عقدين مع شركتين أميركيتين للعلاقات العامة، من بين ما جاء فيهما، تنظيم لقاءات لمعيتيق مع مشرّعين أميركيين وتوضيح موقف «الوفاق» للحكومة والرأي العام الأميركيين، علماً بأن حفتر وحلفاءه وقّعوا أيضاً عقداً مشابهاً مع شركة علاقات عامة أميركية قبل فترة قصيرة، من المحتمل أنها قد لعبت دوراً في تنظيم الاتصال بينه وبين ترامب.