تونس | ظل مقترح الحكومة التونسية لتعديل القانون الانتخابي على رفوف البرلمان منذ تقديمه بداية هذا العام. لكن الفكرة تحولت منذ ذلك الحين من إثارة الجدل والانقسام إلى عنصر موحد لكتل الأغلبية الحاكمة وجزء من المعارضة، بعد أن كانت التعديلات في الأصل تستهدف وضع عتبة برلمانية بخمسة بالمئة، اعتبرتها الأحزاب الكبرى ضرورة لجعل البرلمان المقبل أكثر استقراراً، لكن المعارضة رأتها محاولة للقضاء على الاختلاف.

استمر الجدل بين الطرفين لأشهر دون أن تتحقق الغلبة لأحدهما، قبل أن يخفت ويترك مكانه لطرحٍ أكثر توازناً وإفادةً للأحزاب التقليدية، سواء أكانت حاكمة أم معارضة. لأشهر، طلبت الحكومة من البرلمان تأجيل النظر في التعديلات، إلا أن توصلت إلى صيغة نهائية تحصّن الحياة السياسية من اختراقات غير مرغوبة من السياسيين المكرَّسين. لكن في الأثناء بدأت ظواهر سياسية جديدة في البروز سمتها العامة «الشعبوية».
بدايةً، سطع نجم «الحزب الدستوري الحر» ورئيسته الشابة عبير موسي، عبر صعوده في استطلاعات نيّات التصويت وتحركه ميدانياً، علماً أن موسي سبق أن تولت مناصب قيادية في «التجمع الدستوري الديموقراطي» الحاكم في زمن الرئيس المخلوع زين العابدين بن علي، وعرفت لاحقاً محاميةً له أمام المحاكم في قضية حلّ التجمع، وهي من القلائل الذين استمروا في الدفاع عن النظام السابق ورموزه. وفيما لم تتمتع سابقاً بشعبية تُذكر، برزت أخيراً باستخدام خطاب يرى الثورة «مؤامرة» والإسلاميين «خونة تجب إعادتهم إلى السجون»، ولم يسلم أحد تقريباً من هذا النوع من الاتهامات.
لاحقاً، برزت فجأة جمعية باسم «عيش تونسي» نظَّمت مظاهرات ضخمة بتكلفة عالية، وعمليات موسعة لسبر آراء المواطنين، وأفرزت ما يمسى «وثيقة التوانسة» التي تحوي مطالب فضفاضة من قبيل تقليل امتيازات السياسيين ومحاربة الفساد وتشديد الأمن. وخلال رمضان، جُنّد كثير من الفنانين لتصوير ومضات إشهارية مطولة بُثت على شاشات التلفزة في ساعات الذروة للترويج لتوقيع تلك الوثيقة. لم يتأخر الكشف عن الغاية الحقيقية لهذه «الجمعية»، إذ خرجت رئيستها، ألفة التراس، لتعلن احتمال تقديم قوائم انتخابية باسم «عيش تونسي» لخوض الانتخابات الرئاسية. هنا توجد مشكلتان: الأولى تسخير نشاط مدني لخدمة غايات سياسية والمال الوفير المشبوه المكرَّس لذلك، والثانية شبهة تدخل أجنبي، لكون ألفة التراس متزوجة برجل الأعمال الفرنسي غويوم رامبورغ، المقرب من الرئيس إيمانويل ماكرون، وتبدو ساعية إلى استنساخ تجربة الأخير في البلد.

لم يعد يُقبل ترشح كل من قدم «أي امتيازات مالية أو عينية للمواطنين»


آخر الطارئين على ممارسة السياسة المباشرة، مدير قناة «نسمة»، نبيل القروي، الذي أدى في الأعوام الماضية دوراً محورياً في تأسيس حركة «نداء تونس» ودعمها إعلامياً للوصول إلى السلطة، لكنه لم يشغل قطّ منصباً سياسياً واضحاً، واكتفى بدور في الظل. لكن الرجل اختلف لاحقاً مع «النداء»، وقرر إطلاق مشروعه الخاص من بوابة الإعلام. بدأ الأمر ببثّ حلقة «خليل تونس» التلفزيونية، وهي مرتبطة بجمعية تحمل التسمية نفسها، وقد جاء ذلك بعد موجة تعاطف شعبي تمتع بها القروي عقب وفاة نجله خليل في حادث مرور.
في مرحلة أولى، رسم الرجل لنفسه صورة الوالد المكلوم الذي قادته وفاة ابنه إلى إطلاق أعمال خيرية، فاستقبل لأشهر تبرعات من المشاهدين المتعاطفين، ووزعها في الأرياف النائية وفقراء المدن تحت أنظار الكاميرات، ليكتشف في مرحلة ثانية أن ذلك يدرُّ عليه شعبية في الأوساط التي نسيها السياسيون. وقبل أسابيع، أعلن القروي نيته الترشح للرئاسيات، وتشكيل قائمات للانتخابات النيابية، في تجربة تشبه نوعاً ما تجربة صاحب قناة «المستقلة» الهاشمي الحامدي عام 2011، خاصة لناحية الخطاب العاطفي المتلفز، إذ شهد حينذاك نجاحاً باهراً يمكن أن يتكرر الآن مع القروي.
قبل خطوة السياسيين، حاولت «الهيئة العليا المستقلة للاتصال السمعي والبصري»، المنوط بها تعديل المشهد الإعلامي، تحجيم القروي، عبر تحريك ملفات قديمة ضده، فاعتبرت أن رخصة قناته التلفزيونية انتهت دون أن يقدم ملفاً لتجديدها، إضافة إلى عدم دفعه غرامات متراكمة تلقاها بعد ارتكاب القناة تجاوزات قانونية. فأصدرت «الهيئة» قراراً بحجز معدات «نسمة»، لكن ذلك حرمها فقط البث المباشر، وأوقف نشاطها إلى أيام معدودة، تمكن بعدها القروي من بث برامجه مسجَّلة، وقد زاد الأمر شعبيته وخلق له مظلومية جديدة.
إذاً، تستهدف تعديلات القانون التي صدّق البرلمان على مجملها بموافقة 128 نائباً ورفض 30 وتحفّظ 14، مساء أمس، الشخصيات الشعبوية الثلاث المذكورة، التي صعدت في استطلاعات نيات التصويت، وصارت تشكل خطراً على المنظومة الحاكمة وترتيباتها، وربما على الديموقراطية وسيادة البلاد. لكن الأهمّ إضافة فصل يحيل على مرسوم تنظيم عمل الأحزاب ويعممه على جميع المرشحين، ما يعني رفض ترشح كل من قدم «أي امتيازات مالية أو عينية للمواطنين»، أو قَبِل أي «تمويل مباشر أو غير مباشر نقدي أو عيني صادر عن أي جهة أجنبية»، وكذلك أي «تمويل مباشر أو غير مباشر مجهول المصدر».
وبخصوص عبير موسي وحزبها، خُصِّص لها فصل يقضي برفض ترشح «كل من يثبت قيامه بشكل صريح بخطاب لا يحترم النظام الديموقراطي ومبادئ الدستور والتداول السلمي على السلطة، أو يهدد النظام الجمهوري ودعائم القانون، أو يدعو للعنف والتمييز والتباغض بين المواطنين، أو يمجّد ممارسات انتهاك حقوق الإنسان».