يحتفل نجل الملك حسن الثاني بالذكرى العشرين لتسلّمه سدّة الحكم في بلدٍ أحدث فيه نوعاً من التطور، لكن وصمه إلى الأبد بالتوترات الاجتماعية. لعلّ أبرز ما يميّز الملك المغربي هو كيف أنه ينأى بنفسه عن العالم، فلا نراه كل ليلةٍ على شاشات التلفاز، ولا يظهر قطّ في مقابلات مع الإعلام. مع ذلك، يمكننا أن نرصد وجهه على صور معلّقة على جدران المحال وفي الإدارات كافة. يتهرّب هذا الملك، الذي يتربّع على عرش مملكة يسكنها 35 مليون نسمة، من بقعة الضوء. ويدير مملكته التكنوقراط بالخفية والغموض. لكن أكثر ما يميز عهده منذ عام 1999 هو إنهاؤه «سنوات الجمر» التي عانى خلالها المغرب من الاستبداد، خلال ولاية حسن الثاني.

محمد السادس رجل مفكّر، مصمّم، وغير صبور، لكن حذار أن توقِع بكم هذه الصفات التي يضطلع بها. فمن بين تصنيفات الأنظمة الملكية، تُعتبر المملكة المغربية مملكة تنفيذية بشكل رئيس. إذ يرأس الملك السلطة التنفيذية، ويترقى في «الأراضي المسلمة» ليصبح «أمير المؤمنين». وقد باتت قيادته الآن أكثر حزماً من أي وقت مضى. كل ما سجّلته هذه السنوات العشرين من تحوّل المغرب وتطوّره الكبير من جهة، وعدم المساواة الهائلة والتوترات الاجتماعية الدائمة من جهة أخرى، يحمل توقيع محمد السادس (...).
لقد رفرف عدد ضئيل من الأعلام على الجدران البنّية اللون التي تحيط القصر الرئاسي في الرباط. فعلى الأغلب، لا يمكث الملك في الرباط بل ربما في الشمال، في قصر طنجة الذي يفضّله في فصل الصيف. بتعبير ملطف، هذا الملك لا يتوخى البساطة، كما أن كل ما يتعلق به يبدو مشوّشاً؛ إذ شاع عنه في السنوات الماضية أنه غائب، وأنه مكث في فرنسا على وجه الخصوص. وكانت الطريقة الأبرز لمدّ العالم بمستجداته هي عبر التقاطه صور «السيلفي» التي يطيب له أن يأخذها وينشرها على حسابه على موقع «فايسبوك». ومع ذلك، فإن «المخزن»، أي المؤسسة الملكية بالمعنى الواسع، لا تزال عالما سرياً وغير شفاف. فمن دون الصحافة الإسبانية، ما كنا لنعرف أن الملك قد انفصل عن زوجته، أو أنه أجرى جراحة قلبية في شتاء 2018.
الملكية تتدخل مباشرة في الاقتصاد. إنها ملكية مساهمة (...). لقد شهد هذان العقدان نمواً مستمراً، إذ بلغ متوسط النمو السنوي في الناتج المحلي الإجمالي 4٪ تقريباً. إلا أن هذا الجانب المشرق يخفي جانباً آخر أكثر ظلمة. فقد نشرت الصحافية، عائشة أكالي، في مجلة «TelQuel» الأسبوعية حصاد ما زرعه الملك في هذه السنوات العشرين، قائلة إن «لدى محمد السادس وميضاً ونجاحات، لكنّ في مملكته، مغاربة كثيرين في قيد النسيان (...)». بغضّ النظر عن القطاع الخاص المهم في المغرب، فإن معدل البطالة يطال حوالى 10٪ من القوى العاملة، إذ إن 43٪ من الشباب الذين تتراوح أعمارهم بين 15 و24 سنة عاطلون من العمل، من ضمنهم 17 ٪ من المتخرّجين. وتعتبر هجرة الأدمغة المغربية مشكلة هائلة. كما أن ثلث السكان الآخرين أمّيون، فيما لم تكن الصحة العامة يوماً من أولويات المملكة. ويضع مؤشر «جيني»، الذي يقيس عدم المساواة في بلد ما، المغرب في مرتبة بعد الجزائر وتونس (...).
منذ عام 2011، يهيمن على هذه اللعبة السياسية حزب «العدالة والتنمية»، أي النسخة المغربية من جماعة «الإخوان المسلمين». وقد حصد هذا الحزب أصوات الطبقة الوسطى التي تركها اليسار. وتسعى المملكة إلى أن تتشارك (معه) في أخذ القرارات غير المتعلقة بالسيادة بشكل خاص، بدلاً من أن تفرضها. لعلّ أبرز ما يميّز حزب «العدالة والتنمية» كونه ليبرالياً في الاقتصاد ومحافظاً للغاية في القضايا الاجتماعية. يقود الحزب معارك لإبطاء مبادرات «المخزن»، والتصدي لها، خصوصاً المتعلّقة بحقوق المرأة ومكانة اللغة العربية في التعليم أو قانون الأسر (...).
(لوموند ــ ألان فراشون)