يتناقض تحليلك للواقع الاجتماعي الجزائري مع التصورات السائدة عامةً، والتي تستند إلى مفهوم «العشائر» لفهم الديناميات الداخلية لهذا البلد. وقد أسهم غموض النظام السياسي الجزائري في انتشار ذلك المفهوم، في محاولة لاستيعاب هيكلة السلطة السياسية وتفاعلاتها. ما هو تحليلك للنظام السياسي الجزائري وللقوى التي تُشكّله؟

إن مصطلح «العشائر» غير ملائم ومخادع في هذا السياق. في الواقع، يتعلق الأمر بصراع النفوذ ما بين أجنحة النظام، كما هي الحال في الدول الأخرى. وتعني كلمة «عشيرة» الأسرة الممتدة، وهي مجموعة قائمة على روابط الدم، في حين أن أجنحة السلطة الجزائرية التي تتصادم حالياً كانت قد تشكلت تاريخياً وفقاً للمنطق السياسي لا على أساس صلة الدم. سوء استخدام مفهوم «العشيرة» يظهر احتقار المثقفين والمواطنين المستبعدين من آلية صنع القرار للعبة السياسية التي يسيطر عليها الجيش. لكنه يظهر في الوقت نفسه فكرة سائدة بين المراقبين الأجانب على وجه الخصوص، وهي أن الجزائريين لا يستطيعون العمل بشكل جماعي خارج الإطار الديني أو روابط الدم، وهذا مفهوم خاطئ.
إن التعمق في الأنثروبولوجيا السياسية في الجزائر كفيل بالكشف عما حدث في السلطة أثناء صراع النفوذ داخلها. يشمل النظام السياسي في هذا البلد، كما في أي مكان آخر، قطاعاً رسمياً وقطاعاً غير رسمي. ولا يتميز الوضع الجزائري فقط بسيطرة القطاع غير الرسمي إلى حدّ كبير، فهذه كانت حال نظام القذافي في ليبيا مثلاً، بل بكون الأول الأول يخضع لتقليد الجماعة. الأطروحة التي أدافع عنها منذ ثلاثين عاماً هي أن أساس النظام الجزائري هو «الجماعة». وكما أوضحت في كتابي «الحكومة البربرية»، فإن جدال الجماعة التقليدية لم يكن يوماً مبنيّاً على التنافس بين العشائر، ولكنه مرتبط بالمنافسة بين الصفوف، وهي أحزاب بدائية تجاوزت روابط الدم والقرابة وسبب وجودها سياسي بحت. والنزاعات الكبرى التي تندلع من وقت إلى آخر داخل السلطة الجزائرية تكون بين الصفوف وتتمحور حول المصلحة السياسية، كالخلاف الذي اندلع بين الاستئصاليين وأنصار الحوار حول كيفية التعامل مع التمرد الإسلامي في تسعينيات القرن الماضي.

التعمق في الأنثروبولوجيا السياسية في الجزائر كفيل بالكشف عما حدث في السلطة(أ ف ب )


لا تزال السيطرة على الريع تمثل مشكلة سياسية كبيرة للسلطة وللقوى الاجتماعية الناشئة الجديدة، هل تحدّد هذه المشكلة مصير المواجهة بين كلا الطرفين؟
- تعرف الحكومة الجزائرية جيداً كيف تفسح مكاناً للقوى الاجتماعية الجديدة شريطة أن تعرف هذه الأخيرة شروط اللعبة، لكن التحدي الذي مثله الحراك ــــ الحركة الشعبية الجزائرية التي انطلقت في 22 شباط/ فبراير الماضي ـــ للسلطة ولقيادة الجيش تخطى مطالب قوة اجتماعية جديدة بنصيبها من الريع. بتسليط المتظاهرين الضوء على الفساد الكبير والشبكات السرية التي يطلقون عليها تسمية «العصابة»، ودعوتهم إلى «حكم القانون»، فإنهم يشككون في «دولة الكسكس» أو الدولة الريعية الموزِّعة، كما يشككون في الدور السياسي غير الرسمي للقيادة العليا للجيش وصلاحيات الجماعة المخفية. يطرح الحراك إذاً مشكلة من نوع آخر. ما يجب فهمه أيضاً هو أن الأجنحة التي تتشكل أحياناً داخل الحكومة الجزائرية تتيح النقاش خلف الأبواب المغلقة حول خيارات النظام، وذلك لأن الصراع في وجهات النظر بين أجنحة الجماعة المخفية هو المحرك السياسي الرئيس للنظام الجزائري، الذي لا يتحمل وجود أحزاب سياسية حقيقية أو مؤسسات رسمية وشفافة تجري مناقشات جادة، أو برلمان يتمتع بسلطات حقيقية لصنع القرار.

ما هي، من وجهة نظرك، العلاقة بين الأسطورة التأسيسية البربرية وظهور التيار البربري كقوة اجتماعية وسياسية؟
إن الحركة البربرية ليست وليدة الساعة، فقد ظهرت منذ سبعين عاماً في خضمّ أزمة 1948، من خلال «حركة انتصار الحريات الديمقراطية»، حزب الوطنية الجذرية. وقد أحدثت هذه الأزمة انعكاسات مدمرة في منطقة القبائل أثناء حرب التحرير. حافظ هذا التيار على سرّيته بعدما عاد إلى الساحة في سبعينيات القرن الماضي، إلا أن الطابع السرّي ما لبث أن زال مع بدء «الربيع الأمازيغي» في عام 1980. وقد جمعت الحركة بين المطالبة بالهوية الأمازيغية وأفكار سياسية استعارها أعضاؤها (بأغلبيتهم من منطقة القبائل) من «أسطورة القبائل» التي طوّرتها إدارة الاستعمار «المنحازة للقبائل» في القرن التاسع عشر. تتمحور الفرضية الأساسية لهذه الأسطورة حول أن أبناء القبائل لم يكونوا مسلمين حقيقيين، وأن نظامهم المثير للإعجاب المتمثل في نوع من «الحكم الذاتي» القروي كان علمانياً نوعاً ما. وقد شجع هذا الأمر التيار البربري بين القبائل ــــ وهو ليس إلا تياراً واحداً من بين عدة تيارات ــــ على اعتبار أن الدولة الفرنسية قدمت نموذجاً من الحداثة السياسية، وبالتالي فإن إضفاء الطابع الديمقراطي على الجزائر يفترض ظهور العلمانية أولاً كشرط مسبق. هذا المزيج من العقائد كان المُوجِّه الأول «للتجمع من أجل الثقافة والديمقراطية» (RCD)، الحزب السياسي المنحدر من حركة البربر في عام 1989، والذي تميز بمعارضته للإسلاميين ودعمه للخط المتشدد العسكري الاستئصالي خلال التسعينيات.

صعود التيار المطالب بالاعتراف بالهوية الأمازيغية، ونجاحه في انتزاع التنازلات السياسية من السلطة، والدور المهم الذي يلعبه في النزاع الحالي، كلها عوامل تستدعي التفكير في قدرته على فرض نفسه كمكوّن بنيوي في المشهد السياسي الجزائري، ما هو تحليلك؟
لقد نجح التيار البربري، الحركة الاجتماعية التي تطالب بالاعتراف الرسمي بالأمازيغية وبلغتها، «تمازيغت»، في توسيع نفوذه في الجزائر منذ فترة طويلة. فقد تم الاعتراف بالأمازيغية في الجزائر خلال المراجعة الدستورية لعام 1996، كما بِلغة «تمازيغت» كلغة وطنية في عام 2002، ولغة رسمية في عام 2016. وإذا كانت الحكومة قد حاولت أخيراً قمع المحتجين الحاملين للراية الأمازيغية للتسبب في انقسام في صفوف الحراك الشعبي بين الناطقين باللغة العربية والبربرية آملة في إضعافه، فلا شك في أنها لم تنجح. يبدو الإجماع من جانب الرأي العام واضحاً حول هذه القضية. في الواقع، إن اجراءات السلطة ما هي إلا محاولة للرد على الأدوار التي يلعبها «التجمع من أجل الثقافة والديمقراطية»، ومنافسها التقليدي في منطقة القبائل، «حزب جبهة القوى الاشتراكية»، في الأزمة الحالية.
لا شيء يؤكد أن عمل أحزاب القبائل يزعج السلطة فعلاً


لاستيعاب المخاطر الحالية، حريّ بنا أن نستذكر تأسيس «التجمع من أجل الثقافة والديمقراطية» و«حزب جبهة القوى الاشتراكية»، والاعتراف قانونياً بهما على ضوء إصدار دستور عام 1989، والذي أصبح الآن موضع تساؤل وشكّ. كما علينا تذكر علاقتهما الملتبسة مع الحراك الشعبي، الشبيهة بعلاقتهما التي لا تقلّ التباساً مع الاحتجاجات الشعبية التي تلت الربيع الأسود في منطقة القبائل عام 2001. الحراك الحالي هو حصيلة تقليد وطني يرتكز على الرفض التام للأحزاب السياسية، سواء كانت واجهات للسلطة مثل حزب «جبهة التحرير الوطني» وحزب «التجمع الوطني الديمقراطي»، أم أحزاباً معارضة لا تعبّر إلا عن معارضة يسمح بها النظام. لذلك، فإن الميل الأساسي للحراك هو تهميش الأحزاب السياسية، وردّ فعل أحزاب المعارضة ــــ بما في ذلك أحزاب القبائلية ــــ هو محاولة الاستفادة منه لتجديد نفسها والسعي للعب دور قيادي في إطاره. وقد اقترحت هذه الأحزاب خارطة طريق غير دستورية، دفعت الحراك، عندما اتبعها إلى حدّ ما، إلى التخلي عن موقفه الأصلي القوي المدافع عن الدستور ضد المشروع المناهض له، وبالتالي التعرض لانتقاد القادة العسكريين الذين باتوا، وهو أمر يبعث على السخرية، من المدافعين بضراوة عن الدستور، بعدما لم يترددوا في انتهاكه من دون مبالاة في شباط/ فبراير الماضي. وقد قام «التجمع من أجل الثقافة والديمقراطية» باستبدال سياسة مناهضة للجيش بسياسته المناهضة للإسلاميين، في حين أن «جبهة القوى الاشتراكية» التي لطالما كانت معارضتها لا تتناقض مع الولاء للدولة والابتعاد عن النزعة البربرية، أعادت طرح مطالبها القديمة بإنشاء جمعية تأسيسية، ولم تشرح كيف ومن سيتمكن من إنشاء جمعية كهذه في الظروف الحالية، ولا كيف ينبغي أن يكون الدستور الجديد الذي سيصاغ خلال هذه الجمعية متميزاً عن الدستور الحالي.
لا شيء يؤكد أن عمل أحزاب القبائل يزعج السلطة فعلاً. وهنا يمكن أن نطرح سؤالاً مهماً: هل يشكل استهداف رفع العلم الأمازيغي مسعى من قِبَل السلطة لإضعاف هذه الأحزاب بتأجيج الخلاف بين البربر والعرب، أو محاولة لتسليط الأضواء على الأحزاب القبائلية صاحبة الخطابات السياسية المتطرفة وغير الواقعية، بهدف استفزاز الحراك ودفعه إلى التضامن مع الأخيرة، وبالتالي الانخراط بشكل أكبر في نهج غير واقعي. هذه هي الطريقة التي انتصرت بها السلطة على «حركة المواطنة» في منطقة القبائل في الفترة 2001 - 2003.