تُمثّل مدينة ترهونة أهمّ معقل لقوات المشير خليفة حفتر في جنوب طرابلس، لا فقط كمركز لوجستي محصّن بحكم الطبيعة الجبلية للمنطقة، بل كذلك لقوتها العسكرية المتمثلة بـ«اللواء التاسع» الذي ينتشر على مختلف جبهات العاصمة. لهذه الأسباب، تحاول حكومة «الوفاق»، المسيطرة على أغلب غرب البلاد، استمالة المدينة عبر مفاوضات جوهرها مقايضة الموقف بامتيازات وموارد مادية. محاولاتٌ تبني فيها الحكومة على تجربة سابقة متمثلة بمهاجمة «اللواء التاسع»، مدينة طرابلس، خلال الصيف الماضي (كان يحمل اسم «اللواء السابع»)، وما أعقب هجومه من قتال امتدّ لشهر، قبل أن ينتهي باتفاق وقف إطلاق نار، بناءً على تلقي مدينة ترهونة وعوداً بتحقيق مطالبها التي شملت إشراكها في الخريطة الأمنية للعاصمة، ودمجها في منظومة الإدارة وتوزيع الريع النفطي. لكن لأشهر لم تتحقق تلك الوعود، ويعود ذلك إلى الريبة التي أبدتها الميليشيات الطرابلسية تجاه نظيرتها من ترهونة، حيث منعتها من التمركز في عدة مواقع جنوب العاصمة، على رغم تكليفها بها من طرف وزارة الداخلية، ما دفعها إلى التحالف مع معسكر حفتر، والمشاركة في هجومه على العاصمة، مع الإبقاء على حدود داخل هذا التحالف، من خلال منع القوات القادمة من شرق البلاد من التمركز داخل المدينة تحسّباً لحصول تطورات مستقبلية.

في الأسبوعين الأخيرين، فتحت حكومة «الوفاق» قناة تواصل مع أعيان ترهونة، وعرضت عليهم الانضمام إلى صفوفها مقابل منحهم حصّة في المناصب الحكومية ودمجهم في أجهزتها الأمنية والعسكرية. لوهلة، بدا كما لو أن المفاوضات تشهد تقدماً، وقد صرّح بذلك مقربون من دوائر الحكم في طرابلس. لكن أمس، خرجت معطيات جديدة تفيد بوصول المحادثات إلى طريق مغلق. إذ أعلن المتحدث باسم «عملية بركان الغضب»، مصطفى المجعي، في تصريح إعلامي، أن حكومة «الوفاق» تُجهّز لما سمّاها «المعركة الكبرى» التي «ستبدأ بالهجوم على ترهونة»، موضحاً أن خطة السيطرة على المدينة ستكون مشابهة لما حدث في غريان سابقاً، حيث ستتقدم قوات من خارجها مع تحرك خلايا نائمة تعمل تحت اسم «قوة حماية ترهونة». في المقابل، قال رئيس «مجلس مشايخ ترهونة»، صالح الفاندي، إنهم على «جاهزية كاملة لصدّ أيّ عدوان محتمل». وبصرف النظر عن تصريحات الفاندي، تبدو قوات «الوفاق» عاجزة الآن عن القيام بتحرك مشابه، ويعود ذلك إلى السيطرة الأمنية المحكَمة على المدينة، التي تشهد بين حين وآخر اعتقالات وتصفيات للمنشقين، فضلاً عن افتقاد جزء مهمّ من القوة الجوية التي توفرها الطائرات المسيّرة التركية بعد الضربات التي وجّهتها قوات حفتر للمطارات الثلاثة التي تُدار منها. الضعف الجوي لـ«الوفاق» بدا واضحاً في الأيام الماضية، حيث اختفت تقريباً أخبار ضربات الطيران بعدما كانت تحصل يومياً. وقد وفّر هذا المعطى دافعاً لقوات حفتر لأخذ زمام المبادرة، وهو ما تجسّد في إطلاقها أمس هجوماً على غريان، أكبر مدن الجبل الغربي، التي كانت تمثّل معقلها الأساسي قبل أن تخسرها قبل شهرين.
تركّز الهجوم على توجيه ضربات جوية، أدت إلى سقوط العشرات بين قتلى وجرحى في صفوف قوات «الوفاق»، ما قاد مستشفى المدينة إلى إعلان حالة الطوارئ. ووفقاً لـ«المركز الإعلامي لغرفة عمليات الكرامة»، فإن منطقة غوط الريح، الواقعة جنوب شرق غريان، صارت تحت سيطرة قوات حفتر. لكن هذه المعلومة ليست مؤكدة، إذ إن «قوة حماية غريان» قالت في بيان إنها تصدّت للهجوم، وعزّزت مواقعها بقوات إضافية مع استمرار الاشتباكات على نحو متقطع. وعلى رغم تفوقها الجوي، تبدو قوات حفتر عاجزة عن دخول غريان، نظراً لضعف قوتها البرية التي تعاني إنهاكاً بسبب تمدّد فترة الحرب وارتفاع تكلفتها البشرية وتوزع المقاتلين على امتداد جبهات واسعة، وأيضاً بسبب عدم وجود تشكيلات مساندة داخل المدينة الجبلية.