على امتداد الشهر الجاري، فرضت «الهيئة العليا المستقلة للإعلام السمعي البصري» غرامات مالية على وسائل الإعلام المرئية والإذاعات، لم تسلَم منها، تقريباً، سوى تلك المملوكة للدولة. تركّزت أسباب العقاب حول خرق القواعد المنظِّمة التي سبق للهيئة أن حدّدتها، وأهمّها عدم الانحياز للمرشحين أو ضدّهم، وتجنّب التأثير على الناخبين بطرق ملتوية، مثل التطرق إلى نتائج استطلاعات الرأي قبل إغلاق صناديق الاقتراع. ولخصت «هيئة الإعلام» تلك الخروقات في بيان أصدرته منتصف الشهر الجاري، حذرت فيه من «تفاقم تأثير مراكز الضغط المالي والحزبي في وسائل الإعلام». وجاء في البيان أن هذه التدخلات في وسائل الإعلام تُعدّ «محاولات (لـ) التراجع عن مكتسبات الثورة»، وتهدف إلى حرمان المواطنين من حقهم في «الاختيار والمحاسبة وفق إرادة حرة بعيداً من التضليل». واتهمت المهنيين المنخرطين في الممارسات المذكورة بـ«التخلي عن شرف المهنة وأخلاقياتها الأساسية من تفسير ونقاش وتدقيق في برامج كل المرشحين على السواء». لكن النقطة الأهم في بيان الهيئة هي توجيه اتهام لبعض أصحاب القنوات التلفزيونية والإذاعية بالانحياز، إذ إنهم «معنيّون مباشرة بنتائج الانتخابات، خاصة وقد تعلّقت بهم قضايا جزائية ما زالت جارية». وإذا كان هذا التلميح يخصّ قناتين بالذات، هما «نسمة» و«الحوار التونسي»، فإن المسألة تتجاوزهما إلى بقية القنوات المنحازة بدورها إلى أحزاب، وهو ما يظهر في العقوبات المفروضة عليها.

عملت قناة «الحوار التونسي» على الدعاية المضادة لرئيس الحكومة الحالي، يوسف الشاهد، والدعاية لمصلحة وزير الدفاع المستقيل، عبد الكريم الزبيدي. وتولى مدير القناة ومالك غالبية أسهمها، سامي الفهري، قيادة الحملة، وشمل ذلك زيارة المرشح المقيم خارج البلاد لأسباب قضائية، سليم الرياحي، وإجراء حوار معه تركّز حول كشف كواليس الحكم خلال فترة الشاهد، وتصويره كرجل صفقات سياسية مشبوهة وتابع لـ«حركة النهضة» (راجع «الأخبار»، عدد 3849). الحوار الثاني المهمّ في هذا السياق أُجري مع الزبيدي، وتركز خصوصاً، كما تُلاحظ «هيئة الإعلام» في بيانها، على مهاجمة الشاهد في أغلب أجزاء الحوار، فيما لم تُكرَّس سوى فترة محدودة للحديث عن برنامج الضيف. وثمة رأيان حول الموقف المنحاز الذي اتخذته القناة. من جهة، يقول محور الفهري إن الشاهد في صدد تشكيل ديكتاتورية جديدة، وهو يُسلّط ضغوطاً على الإعلام بهدف السيطرة عليه. ومن جهة ثانية، يرى محور آخر أن الفهري يحاول التغطية على فساده المفترض، خصوصاً أنه مُتهم بالاستيلاء على أموال القناة العامة أثناء فترة حكم زين العابدين بن علي، واقتراب موعد حسم هذه القضية، وذلك عبر افتعال صراع مع رئيس الحكومة يجعله في وضع الضحية.

تركّزت الدعاية التي خاضتها قناة «نسمة» على شخص مالكها نبيل القروي


على النقيض من ذلك، دعمت قناة «التاسعة» رئيس الحكومة، وانخرطت في دعاية مضادة للزبيدي، لكنها فعلت ذلك بطريقة أقلّ وضوحاً، وقبل بداية الحملة الانتخابية. بدورها، عُوقبت قناة «الزيتونة» (لا تحمل رخصة للبثّ) لانحيازها لمرشح «حركة النهضة»، عبد الفتاح مورو. وباستثناء القناتين العامتين، تعرّضت بقية القنوات لغرامات بسبب خروقات مماثلة، لكن أهمّها تلك المتعلقة بقناة «نسمة» ذات الجمهور الواسع. تركزت الدعاية التي خاضتها القناة المذكورة على شخص مالكها، نبيل القروي، الذي جاء في المرتبة الثانية، ومرّ إلى الدور الثاني للانتخابات، على رغم كونه موقوفاً في السجن بسبب قضايا تبييض أموال وتهرّب ضريبي. في واقع الأمر، بثّت «نسمة» دعاية مركّزة لمالكها لفترة امتدت لأكثر من عام، تحت شعار العمل الخيري المتمثّل في تلقّي مساعدات وإعادة توزيعها على أعين الكاميرات. جرى كل ذلك على رغم أن القناة تعاني مشاكلَ قانونية، فهي تفتقد إجازة بثّ (بعد رفضها تجديد إجازتها القديمة)، كما أنها لم تدفع المخالفات المتراكمة عليها لأعوام، والتي تبلغ قيمتها مئات آلاف الدولارات. نهاية شهر نيسان/ أبريل، أصدرت «هيئة الإعلام» قراراً بحجز معدات «نسمة»، وسخّرت الحكومة القوة العامة للتنفيذ. لكن القناة تمكنت من استعادة بثّها بعد انقطاعه لأيام. وخلال شهر رمضان، قرّرت الحكومة منع جمعية «خليل تونس» (المرتبطة بالقناة) من إقامة موائد إفطار، لكن عمليات المنع بُثّت على الشاشة، ما أسهم في تأجيج مظلومية القروي الذي يرفع شعار «مقاومة منظومة الحكم الفاسدة».
يمثّل القروي، ونجاحه في توظيف الإعلام للصعود سياسياً، نموذجاً نقيضاً للمرشح المتصدّر نتائج الجولة الأولى من الانتخابات الرئاسية، قيس سعيّد. طوال فترة نشاطه بعد سقوط نظام بن علي، أبقى سعيّد حضوره الإعلامي في نطاق ضيّق، حيث كانت أبرز محطات ظهوره على الشاشة تعليقاته على بعض المسائل الدستورية والقانونية أثناء نشرة الأنباء الرئيسة للقناة العامة الأولى، التي كانت تحظى بنسب مشاهدة عالية في الأعوام الأولى بعد الثورة. أثناء حملته الانتخابية، لم يظهر سعيّد سوى مرات قليلة في وسائل الإعلام، وكان مروره عبرها موجزاً ومركزاً. يعود ذلك، جزئياً، إلى عدم اهتمام وسائل الإعلام به، على رغم كونه متصدراً لغالبية نتائج استطلاعات الرأي، لكنه أيضاً خيار اتخذه هو وحملته لعلمهما بأن الإعلام لا يحظى بمصداقية كبيرة لدى الناس، وكذلك لتجنّب الإجابة عن بعض الأسئلة المحرجة أو المصمّمة للإيقاع به. اليوم، صار سعيّد يمثّل أحجية للإعلام، حيث تُنصب يومياً جلسات نقاش في القنوات التلفزيونية والإذاعات لتداول سرّ صعوده. بلغ الأمر حدّ دخول بعض المعلقين في برامج متلفزة في موجات غضب هستيرية، كردّ فعل على رفض سعيّد الحضور ضيفاً لديهم. «لغز» سعيّد جعل بعض المعلقين يربطونه بأقصى اليسار، وأقام آخرون صلة بينه وبين «حزب التحرير»، بينما يحاول هو تقديم إيضاحات عبر مداخلات موجزة في قنوات أجنبية وبعض الصحف المحلية، وهو يعلم أن غضب الماكينات الإعلامية عليه لن يزيده إلّا شعبية.