على هامش اجتماعات الأمم المتحدة، انعقد الخميس الماضي اجتماع تنسيقيّ للندوة الدوليّة التي تعمل ألمانيا على تنظيمها في الأسابيع المقبلة لبحث حلّ للأزمة الليبيّة، وقد ضمّ وزراء خارجيّة وممثلين عن الصين ومصر وفرنسا وألمانيا، إضافة إلى إيطاليا وروسيا وتركيا والإمارات والمملكة المتحدة والولايات المتحدة، إلى جانب ممثلين عن الاتحادين الأفريقيّ والأوروبيّ والجامعة العربيّة والأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريش، ومبعوثه الخاصّ، غسان سلامة. خلال الاجتماع، أدان الحضور «استغلال الصراع من قبل إرهابيّين ومجموعات عنيفة متطرفة»، في إشارة إلى تنظيم «داعش». لكن عند التطرق إلى أصل القضيّة، أي الحرب التي انطلقت مع هجوم قوات خليفة حفتر على العاصمة في الرابع من نيسان/أبريل الماضي، اكتفى المشاركون بإبداء «قلقهم» حيال الوضع الأمنيّ و«خطر تصعيد عسكريّ». يبدو هذا الحديث منفصلاً عن الواقع، إذ شهدت ليبيا على مدى الأشهر الخمسة الأخيرة تصعيداً متواصلاً أدى إلى مقتل أكثر من ثلاثة آلاف شخص وتهجير أكثر من 120 ألفاً، من دون الحديث عن الأضرار البالغة في البنى التحتيّة. كذلك أدى إلى تفاقم الدور العسكريّ لداعمين خارجيّين، ما جعله يتجاوز بُعده المحليّ وحوّله إلى حرب إقليميّة بالوكالة.

في ما يتعلّق بالحلول، اتفق المشاركون على مجموعة من المبادئ صاغوها في دعوات لطرفي النزاع وداعميهم: «وقف نار فوريّ من دون شروط، وإزالة الأسلحة الثقيلة من الجبهات، وتجنّب استخدام سلاح الجوّ، ومنع تدخل الدول الأجنبيّة لتغذية الصراع والتزام حظر التسليح، وتوحيد مؤسسات البلاد الماليّة والعسكريّة، وتأسيس «مجلس أمن قوميّ»، وإقامة استفتاء وانتخابات على قاعدة اتفاقات باريس وباليرمو وأبو ظبي السابقة». تحوي جميع هذه النقاط تناقضات كثيرة، لا بوصفها مبادئ مجرّدة، بل لأنها صادرة عن دول غالبيتها متورطة في الحرب الليبيّة باستثناء الصين وألمانيا والمملكة المتحدة. فقد وفّرت بقيّة الدول الحاضرة في الاجتماع أسلحة أو دعماً لوجستيّاً أو سياسيّاً لأحد طرفي الحرب. وليس هذا اتهاماً غير مسنود، إذ تطفح تقارير لجنة مراقبة تطبيق حظر التسليح، التابعة للأمم المتحدة، بالأدلة والإثباتات على خرق مصر والإمارات وتركيا خاصّة للحظر. والمشكلة ليست الدعم الذي وفّرته هذه الدول، بل اعتمادها لغة مزدوجة؛ ففي حين دعت إلى منع تدخل الدول الخارجيّة، واصلت في اليوم نفسه وما بعده استخدام طائراتها المسيّرة لقصف المدن الليبيّة.

احتجّت «الوفاق» على بعض مخرجات الاجتماع التنسيقي للندوة


المفارقة الكبرى في هذا الاستعراض الدبلوماسيّ تتعلق بالإرهاب المُندّد به؛ فقبل هجوم حفتر على طرابلس، كانت التنظيمات الإرهابيّة تشهد تراجعاً ملحوظاً، لكنّها انتعشت الآن مع ارتفاع عملياتها وتزايد قوتها البشريّة (تقول واشنطن إنّها قتلت في ليبيا 36 داعشياً في أسبوع عبر سلسلة غارات بالتنسيق مع «الوفاق»)، كما تعرضت مواقع وحواجز عسكريّة تتبع «قوة حماية سرت»، المكلفة أساساً بمحاربة «داعش»، لغارات بطائرات، وهي تتّهم مصر والإمارات بالمسؤوليّة. وبالعودة إلى الندوة، يحمل بيان الاجتماع التنسيقيّ لها تناقضات تعكس رغبات الدول المشاركة فيه، وما قد يخفّف هذه التناقضات الرطانة الدبلوماسيّة لكنّها لا تنهيها، كما لا ينهي التساؤل عن الغاية من الاجتماع والمسار برمته، إذ إنّ قبول الخصوم الدوليّين الجلوس بعضهم مع بعض يقوم على أساس سعيهم إلى مكاسب لهم ولحلفائهم المحليّين. وفي بيان أصدرته مساء أول من أمس، بدت «الوفاق الوطنيّ» واعية كلّ ما سبق. ولذلك، احتجّت على محاولة وضع قواعد تعامل سياسيّ جديدة، ودعت إلى «التزام الاتفاق السياسيّ الليبيّ والأجسام المنبثقة عنه كمرجعيّة أساسيّة». وهذه الأجسام التي ثبّتها اتفاق المصالحة في الصخيرات (2015) هي: «الوفاق» ومجلسها الرئاسيّ والبرلمان والمجلس الأعلى للدولة (غرفة ثانية للبرلمان). ويعني ذلك ألا تعطى شرعيّة للحكومة المؤقتة التي تسيّر مناطق حفتر.
إقصاء حفتر يعدّ أيضاً جزءاً محوريّاً من شروط طرابلس لإنهاء الحرب، فهي لا ترضى بوقف غير مشروط لإطلاق النار، على النحو الذي تمت المطالبة به في الاجتماع التنسيقيّ. كما ينفي البيان وجود ما يسمى «اتفاق أبو ظبي»، ويقول إنّه مجرد «لقاء تشاوريّ بإشراف الأمم المتحدة»، مشيراً إلى أنّ الاتفاق الوحيد لإجراء انتخابات تمّ في «لقاء باريس»، ودُعم في «لقاء باليرمو». كما تقول «الوفاق»، إنّ «الحلّ السياسيّ الوحيد يكون بخطة الأمم المتحدة التي تنص على عقد مؤتمر وطنيّ جامع»، وهو ملتقى عملت بعثة الأمم لأشهر على تنظيمه لكن، الهجوم على العاصمة جاء قبل عشرة أيام من موعده. كذلك، ترفض «الوفاق» إنشاء «مجلس أمن قوميّ»، لأّنه سيُعطي دوراً رسميّاً لحفتر، وترفض نقاشات توحيد المؤسسات الماليّة، لأنها تشرف الآن على المؤسسات التي تحظى باعتراف دوليّ (مصرف مركزيّ، مؤسسة النفط، مؤسسة الاستثمار)، في حين يشرف حفتر على مؤسسات موازية لها.
غضب «الوفاق» وصل إلى ترتيبات الندوة الدوليّة نفسها؛ فرغم حضور تركيا، داعمها الرئيسيّ حاليّاً في الاجتماع التنسيقيّ، فإنّها دعت إلى استدعاء «الدول المعنية بالشأن الليبيّ (كافة)... دون إقصاء». وربما المقصود بالإقصاء هنا قطر، لكن أيضاً دول مجاورة مثل تونس والجزائر التي لها رأي مخالف للدولتين العربيّتين الحاضرتين في الاجتماع، أي مصر والإمارات. وبقدر ما يُنظر إلى «ندوة برلين» على أنّها خطوة مهمّة للوصول إلى حلّ للأزمة، بقدر ما تطرح تهديداً قد يفاقم الصراع ويغيّر طبيعته. فقد لعبت الدول الأجنبيّة دوراً مهماً منذ إسقاط معمر القذافي، لكنّها بقيت في المرتبة الثانية خلف الفاعلين المحليّين. والآن، تعمل الندوة على مزيد من تدويل الملف، وخلق ما يشبه الضامنين ومنحهم صلاحيات مواصلة أو إنهاء الحرب، وهو ما يفاقم تحويل ليبيا إلى غنيمة قابلة للتقسيم.