بعد حوالى ساعة من إغلاق صناديق الاقتراع، أعلنت شركة «إمرود كونسلتينغ» لاستطلاعات الرأي عن تقديرها فوز قيس سعيّد بالرئاسة التونسية بنسبة تجاوزت 72 بالمئة على حساب منافسه نبيل القروي. بدورها، قدّرت شركة «سيغما كونساي» فوز قيس سعيّد بنسبة تجاوزت 76 بالمئة من أصوات الناخبين. ووفق تقديرات الشركتين، حاز سعيّد أغلبية الأصوات في جميع الدوائر الانتخابية على امتداد البلاد وخارجها، مع نسب قياسية في دوائر جنوب البلاد بلغت 97% في ولاية تطاوين الحدودية مثلاً.

أما هيئة الانتخابات، وعلى رغم عدم إعلانها أيّاً من نتائج الفرز التي ستبدأ في الكشف عنها تدريجياً على امتداد اليومين القادمين، إلا أنها قدمت نتائج حول مستويات مشاركة الناخبين. وقالت الهيئة إن نسبة المشاركة في أغلبية الدوائر الانتخابية تجاوزت 50 بالمئة، ما يعني أنها تجاوزت نسب المشاركة في الدورة الأولى من الانتخابات الرئاسية، وكذلك الانتخابات التشريعية. ولم تأت النسبة العالية من فراغ، بل كانت نتيجة لحملة تعبئة واسعة، ساهمت الدولة فيها عبر منح الطلبة الجامعيين عطلة يوم السبت، للسماح لهم بالعودة إلى مسقط رأسهم (كان لهذا دور مهم، فأغلب الطلبة صوّتوا لسعيّد)، وعبر حملة تحفيزية قادتها هيئة الانتخابات في وسائل الإعلام. كما كان أيضاً للأحزاب دور، حيث دعا أغلبها الناخبين إلى المشاركة بأعداد غفيرة.
واستفاد قيس سعيّد من أكثر حملات الدعم السياسية. فمن جهة، ساندت معظم الأحزاب سعيّد على نحو مباشر على اختلاف انتماءاتها السياسية، من حركة «النهضة» الإسلامية، وصولاً إلى «حزب الوطنيين الديموقراطيين الموحد» الماركسي، مروراً بحزب «التيار الديموقراطي» من يسار الوسط. ومن جهة ثانية، لم يحظ نبيل القروي سوى بدعم المرشحَين الرئاسيين المنهزمَين في الدورة الأولى، عبد الكريم الزبيدي ومهدي جمعة.

يأتي كلّ من سعيّد والقروي من خلفيّات متباينة، مع وجود قاسم مشترك بينهما


ويأتي كلّ من سعيّد والقروي من خلفيات متباينة، مع وجود قاسم مشترك بينهما هو عدم خبرتهما في إدارة شؤون الدولة. إلى حدود العام الماضي، مارس قيس سعيّد التدريس الجامعي في اختصاص القانون الدستوري، وساهم منذ سقوط نظام زين العابدين بن علي في تأسيس ندوات حول التحوّل الديموقراطي، وتقديم مداخلات تلفزية، وخاصة خلال فترة كتابة الدستور الجديد. وعُرف سعيّد سابقاً بموقفه المتشدّد من النظام الانتخابي المبنيّ على القوائم، ونادى بمقاطعة الانتخابات السابقة ما لم يتغيّر النظام إلى اقتراع على الأفراد.
أما نبيل القروي، فقد بنى مسيرته المهنية في قطاع الإعلام، حيث أدار قناة «نسمة» التلفزيونية وشركة إعلانات. ساهم القروي في تأسيس حركة «نداء تونس»، ودَعَم صعود الرئيس الراحل، الباجي قائد السبسي، لكنه توجّه إلى بناء مشروعه السياسي الخاص قبل حوالى عامين غداة وفاة نجله. انطلق القروي في مشروع خيري عبر جمعية «خليل تونس»، يقوم على تلقي مساعدات وإعادة توزيعها على الناس والقيام بمشاريع خدماتية، وبثّ هذه الأنشطة على تلفزته، ما أكسبه شعبية واسعة. وتمّ إيقاف القروي في السجن نهاية الشهر الماضي بتهم تبييض أموال وتهرب ضريبي، قبل أن يُطلَق سراحه يوم الخميس ويتم إبقاؤه على ذمة القضية. وواجه القروي فضيحة تتعلق بتعاقده مع شركة علاقات عامة كندية يملكها مستشار أمن قومي سابق لرئيس الوزراء الإسرائيلي، ساهمت في إطاحة شعبيته. وشهدت تونس مساء يوم الجمعة أول مناظرة بين مرشحَين رئاسيين في الدورة الثانية، حيث رفض قائد السبسي عام 2014 مناظرة منافسه المنصف المرزوقي. وخلّفت المناظرة بين سعيّد والقروي آراء متضاربة، لكن يبدو أنها ساهمت أيضاً في تراجع شعبية القروي.
وفيما برزت مظاهر احتفال واسعة لأنصار سعيّد في شوارع تونس، خرج القروي في ندوة صحافية بدا خلالها متوتراً، وقال إنه لم يتمتع بفرص متساوية لإجراء حملته الانتخابية نظراً الى سجنه، وأشار كذلك إلى ما اعتبره «تجاوزات» يوم الانتخابات «وصلت الى حدّ الاعتداءات بالعنف». وأضاف القروي إن ما حصل ليس نهاية الأمر، إذ إنه يملك الآن الكتلة الثانية في البرلمان، متابعاً أن النتائج المعلنة تقديرية، وأنه سيعلن عن تحركاته اللاحقة بعد إعلان هيئة الانتخابات النتائج الرسمية في اليومين المقبلين.