الجزائر | رغم الزخم الذي تعيشه الجزائر، فإن عناصر المشهد السياسي تبدو ثابتة منذ أسابيع طويلة. فعلى الطرف الأول، توجد السلطة ممثّلة بالأساس في قيادة المؤسسة العسكرية التي تريد تمرير الانتخابات الرئاسية في موعدها المحدد يوم 12 كانون الأول / ديسمبر، وترفض كل دعوات تأجيل الانتخابات أو إلغائها. وعلى الطرف الثاني، يبقى الحراك الشعبي رافضاً بالمطلق لهذه الانتخابات وعازماً على إفشالها من خلال المظاهرات الأسبوعية والتهديد بالتصعيد في الأيام الأخيرة، عبر إعلان الإضراب الشامل الذي كان شعار مسيرات أمس الحاشدة في معظم المحافظات الجزائرية. وبين الطرفين، توجد كتلة شعبية صامتة، لا يُمكن قياس رأيها إلا من خلال انتظار إقبالها على الصندوق يوم الانتخابات.

وحاولت السلطة، في الأسابيع الأخيرة، حشد تأييد شعبي للانتخابات، عبر الدعوة لمسيرات مضادّة للحراك الشعبي كل يوم سبت يُعلن فيها المواطنون دعم خيار الذهاب إلى الانتخابات. لكن هذه الخطوة، رغم كثافة التغطية المخصّصة لها من الإعلام العمومي، لم تستطع معادلة كفّة الرافضين للانتخابات الذين يتظاهرون أسبوعياً بمئات الآلاف. وقد أدى هذا الواقع بالسلطة، في الأسبوعين الأخيرين، إلى زيادة وتيرة الدعاية للانتخابات، خصوصاً بعد إدانة البرلمان الأوروبي الانتهاكات الحقوقية المرتبطة بالحراك الشعبي، في قرار اقترحه النائب الفرنسي رافائيل غلوكسمان وتم التصويت عليه بالإجماع، وهو أوّل موقف من هذا النوع يصدر عن جهة خارجية بحجم البرلمان الأوروبي.
وشكّل هذا الحدث، بالرغم من الإجماع الداخلي في الجزائر على رفض التدخل الأجنبي، مناسبة لتركيز الحديث على محاولات التربّص بالجزائر من القوى الأجنبية وعلى رأسها المستعمر السابق فرنسا. وخرج رئيس أركان الجيش الفريق أحمد قايد صالح، في خطاب ناري يتهم من يسميهم بـ«العصابة» (المسؤولون المقربون من الرئيس السابق)، بمحاولة الاستنجاد بأطراف خارجية، معروفة بحقدها التاريخي الدفين والتي لا تُحب الخير للجزائر، في إشارة مباشرة إلى فرنسا. ودعا الرجل القوي في النظام الجزائريين للوقوف إلى جانب وطنهم في هذه الظروف الراهنة وإفشال «مخططات العصابة وأذنابها»، من خلال المشاركة المكثفة والقوية وعن قناعة في الانتخابات الرئاسية المقبلة. أما وزير الداخلية صلاح الدين دحمون، فقد أطلق أوصافاً مثيرة للجدل، مثل «الخونة والشواذ»، على بعض الجزائريين الذين اتهمهم بالتعاون مع البرلمان الأوروبي على حساب بلدهم.
وبات واضحاً اليوم أن السلطة من خلال خطابات أهم المسؤولين، ماضيةٌ إلى تنظيم الانتخابات الرئاسية في كل الظروف، مُتجاوزة حالة الرفض الداخلية التي ستحاول احتواءها خصوصاً في يوم الانتخاب. وقد ظهر خطاب شديد الحزم، في الأيام الأخيرة، ضد كل من يُحاول عرقلة التصويت، كما أن السلطة عمدت مع بداية الحملة الانتخابية إلى حملة اعتقالات واسعة طاولت كل من يتظاهر ضد تجمّعات المترشحين. وبدأت تنقل وسائل إعلام قريبة من السلطة أخباراً عن مخططات لجماعة انفصالية في منطقة القبائل (الأمازيغ)، تهدف لمنع التصويت في العاصمة ومنطقة القبائل ذات التوجه الراديكالي في معارضة السلطة الحالية، وهي كلها أخبار لم يتم تأكيدها رسمياً، ما جعل الكثير من الشكوك تُحيط بها.

لا يستبعد كثير من المتابعين إمكانية الذهاب إلى دور ثانٍ لحسم النتيجة النهائية


وفي توقيت يراه كثيرون ليس بريئاً، أعلن وزير العدل عن برمجة محاكمة رئيسي الحكومة السابقين، أحمد أويحيى وعبد المالك سلال، وعدد من الوزراء ورجال الأعمال النافذين زمن الرئيس السابق، قبل أسبوعين من يوم الانتخاب. وقد ظهر هؤلاء المسؤولون بالفعل على شاشات التلفزيون وهم يُحاكمون في وقائع فساد صادمة، صرفت النظر قليلاً عن التركيز الشديد على الانتخابات سواء بتأييدها أم برفضها. واعترف الوزير الأول السابق أحمد أويحيى، بحقائق صادمة أهمّها امتلاكه حساباً غير مصرّح به بلغ حجم تحويلاته ما يعادل 2.5 مليون دولار، كما اعترف وزراء آخرون ورجال أعمال، بجمع أموال ضخمة خارج القنوات الرسمية لتمرير مشروع العهدة الخامسة بلغت أكثر من 70 مليون دولار. وذُهل الجزائريون لسماع أرقام بملايين الدولارات ذهبت كامتيازات لرجال الأعمال الذين كانوا ينشطون تحت حماية شقيق الرئيس السابق السعيد بوتفليقة. لكن هذه المحاكمة، رغم الحقائق التي كشفتها، يراها خصوم السلطة سياسية أن الهدف منها تحوير الأنظار عن مطلب تغيير النظام.
وفي خضم هذه الأجواء، يواصل المرشحون الخمسة للرئاسة الحملة الانتخابية، تُرافقهم في ذلك حراسة أمنية مشدّدة، لحمايتهم من الشارع الغاضب الذي حرمهم من النزول إلى الأحياء ولقاء المواطنين مثلما هي طقوس الحملات الانتخابية في الجزائر. واستغل المرشحون للانتخابات فرصة وجود القنوات الخاصة التي لم تكن بهذا الزخم والتأثير من قبل، ليكثفوا من حضورهم تعويضاً عن نشاطهم الهزيل في الحملة الانتخابية. ولحدّ الآن، يبدو المشهد ملتبساً في من هو الاسم الأكثر حظاً للفوز بالانتخابات، فبعد أن كان الكثيرون يرجحون كفّتي رئيسي الحكومة السابقين زمن الرئيس السابق، عبد المجيد تبون وعلي بن فليس، انقلبت المعادلة تماماً مع الأيام الأخيرة للانتخابات، بعد أن ارتفعت أسهم وزير الثقافة السابق عز الدين ميهوبي، الذي يقود حزب «التجمع الوطني الديمقراطي»، ثاني أكبر الأحزاب التي كانت مساندة للرئيس السابق عبد العزيز بوتفليقة.
وكثر الحديث عن ميهوبي، خصوصاً بعد إعلان حزب «جبهة التحرير الوطني» تأييده له، في وقت كان يُنتظر فيه أن يعلن هذا الحزب ذو الأغلبية في البرلمان والمجالس المحلية المنتخبة مساندته لعبد المجيد تبون. وعلى عكس المتوقّع، نزلت حظوظ تبون كثيراً بعد الفضائح الكثيرة التي لاحقته بعد اعتقال أحد أهم معارفه من رجال الأعمال وتسريب أخبار عن تمويل مشبوه لحملته الانتخابية. وزاد من متاعب تبون استقالة مدير حملته الانتخابية السفير السابق وممثل الجزائر في الأمم المتحدة عبدالله باعلي، لأسباب تبقى مجهولة. وفي آخر ضربة تلقاها تبون، أعلنت محكمة جزائية عن استدعاء نجله المحبوس في قضية مخدّرات للتحقيق مجدداً في قضية أخرى تتعلق بتبييض الأموال. أما المرشح الآخر، علي بن فليس، الذي واجه بوتفليقة في انتخابات 2004 و2014، فلم يستطع تحقيق الزخم الكبير في حملة الرئاسيات الماضية حينما كانت تجمعاته تحشد عشرات الآلاف. لكن بن فليس، على مستوى البرنامج والقدرة على الإقناع، يبدو إلى حد الآن في أعين المراقبين الأحسن أداء، إذ لديه تصور واضح حول كيفية تعديل الدستور ومعالجة الأزمة السياسية. ولا يستبعد كثير من المتابعين إمكانية الذهاب إلى دور ثانٍ لحسم النتيجة النهائية.
وقد خلطت التطورات الأخيرة أوراق الانتخابات، وجعلت كل المرشحين يؤمنون بحظوظهم في الفوز، خصوصاً من كانوا يوصفون بـ«أرانب سباق»، مثل المرشح الإسلامي عبد القادر بن قرينة، أو رئيس «جبهة المستقبل» عبد العزيز بلعيد. وستكون المناظرة التي ستجمع المرشحين الخمسة مناسبة لقياس الفوارق بين المرشحين، حيث سيُمكن كل مرشح من الحديث لـ 28 دقيقة في محاور السياسة والاقتصاد والوضع الاجتماعي والسياسة الخارجية. كما ستكون المناظرة فرصة أخرى للدعاية للانتخابات، من خلال المتابعة الواسعة المتوقّعة لها حتى من جانب الرافضين للانتخابات، إذ ستقوم كل القنوات الجزائرية العمومية والخاصة بنقلها على المباشر.
أما بالنسبة للمعارضين للرئاسيات، فهذه التطورات كلها لا تعنيهم، اعتباراً من أن كل المرشحين الحاليين في تقديرهم ينتمون إلى النظام، وبالتالي فإن أياً ممن يقع عليه الاختيار لن يخرج عن الدائرة المرسومة له. ويعتقد الرافضون للانتخابات أن الرئيس المقبل معروف لدى الجهة المتحكمة في النظام حالياً، وحتى وإن كان مجهولاً إلى حد الآن من هو المرشح الحقيقي للسلطة في هذه الانتخابات. ويكمن السبب الأهم في اعتقادهم لمقاطعة الانتخابات أو رفضها بالمطلق في كون النظام السياسي، عبر المسار السياسي الذي أطلقه وإقصائه المعارضة وسجن رموزها ورفضه المرحلة الانتقالية، يريد فقط ترميم واجهته السياسية والاحتفاظ بجوهر النظام الرافض لفكرة التغيير وتسليم السلطة.