أسفرت النتائج الأولية للانتخابات الرئاسية عن فوز المرشّح الحر، عبد المجيد تبون، بنسبة بلغت 58.15 بالمئة، يليه مرشح «حركة البناء الوطني» عبد القادر بن قرينة بنسبة 17.38 بالمئة، بينما حلّ في المرتبة الثالثة مرشح «حزب طلائع الحريات» علي بن فليس بنسبة 10.55 بالمئة، متبوعاً بمرشح «التجمع الوطني الديموقراطي» عز الدين ميهوبي بـ 7.26 بالمئة، وأخيراً مرشح «جبهة المستقبل» عبد العزيز بلعيد بنسبة بلغت 6.66 بالمئة. وسبقت إعلان الفوز حالة من الإثارة استمرّت حتى الدقائق الأخيرة، بخصوص ما إذا كانت النتائج محسومة لمصلحة عبد المجيد تبون من الدور الأول، أم أنها تتطلّب المرور إلى دور ثانٍ. ومساء يوم الخميس الذي جرت فيه الانتخابات، أعلن كلّ من المرشّحين عبد القادر بن قرينة وعبد العزيز بلعيد وعز الدين ميهوبي تأهّله للدور الثاني، فيما أكدت مديرية حملة المرشح عبد المجيد تبون فوز مرشحها بأغلبية فاقت 50 بالمئة. ودفعت المعلومات المتضاربة الجزائريين إلى انتظار الندوة الصحافية التي عقدها رئيس «السلطة الوطنية للانتخابات»، محمد شرفي، للحصول على النتائج الرسمية.

وبلغة الأرقام، حصل تبون على حوالى 4.9 ملايين صوت من أصل أكثر من 8 ملايين صوت، ما جعله يفوز بفارق مريح عن أقرب منافسيه عبد القادر بن قرينة المحسوب على التيار الإسلامي، والذي صنع مفاجأة من العيار الثقيل باحتلاله المركز الثاني، بينما كانت خيبة أمل المرشح علي بن فليس، الذي نافس الرئيس السابق عبد العزيز بوتفليقة في انتخابات 2004 و2014، كبيرة، بعد تضييعه للمرة الثالثة فرصة الوصول إلى الرئاسة، ما دفعه إلى التلميح إلى مغادرته الحياة السياسية وتسليمه المشعل ــــ كما قال ــــ إلى شباب حزبه «طلائع الحريات». واللافت في ردود فعل بقية المرشّحين، أنهم لم يطعنوا ــــ كعادة الانتخابات السابقة ــــ في نزاهة الاقتراع. فقد سارع المرشح عز الدين ميهوبي، الذي كانت تشير تخمينات إلى احتمال فوزه وخصوصاً بعد مساندته من أحزاب كبيرة، إلى تهنئة الرئيس الجديد، مُتمنّياً التوفيق له في عمله، بينما لم تَخلُ تصريحات المرشح عبد القادر بن قرينة من تلميح إلى إمكانية العمل مع عبد المجيد تبون إذا ما عرض عليه دخول الحكومة.

ردّ تبون على الرئيس الفرنسي الذي تجنّب تهنئته بمناسبة فوزه بالانتخابات


وقابل الرئيس الجديد، في أول ندوة صحافية عقدها بعد انتخابه، اليد الممدودة لبعض منافسيه بالقول إنه مستعد للحوار والعمل معهم في حال كانت البرامج بينهم متوافقة. وقال تبون إن أولوياته كرئيس ستكون المبادرة إلى تعديل عميق للدستور من أجل سدّ الفراغات الموجودة فيه وتحقيق التوازن بين المؤسسات، مشيراً إلى أنه سيطرح الدستور على الشعب من أجل الاستفتاء عليه. وذكر أيضاً أنه سيقوم بتعديل قانون الانتخابات من أجل فصل تام بين المال والسياسة حتى تعود الهيبة والثقة إلى المؤسسات المنتخبة. لكن الرئيس الجديد بدا متردداً في مسألة حلّ البرلمان التي أرجعها إلى الظروف السياسية في البلاد. وأكد عبد المجيد تبون، الذي اشتغل وزيراً أول لمدة 3 أشهر مع الرئيس السابق، أنه لا ينوي إنشاء حزب خاص به، لافتاً إلى أن أولويته هي استرجاع هيبة الدولة ونظافتها وصدقيتها. ووعد الرئيس الجديد بأن يعين في حكومته وزراء من الجيل الشاب لا تتعدّى أعمارهم 27 سنة، على حدّ قوله. أما بخصوص الحراك الشعبي، فقد أبدى تبون استعداده للحوار مباشرة مع من يتم اختيارهم حتى يتم رفع اللبس حول المسائل العالقة وإظهار حسن النية. وأضاف: «أريد أن يتيقن الحراك بأن لا وجود لاستمرار العهدة الخامسة»، مشيراً بذلك إلى الاتهامات التي تطاوله بأنه امتداد لفترة الرئيس بوتفليقة، وبأنه يمثل مشروع «العهدة الخامسة» التي كان يريدها الرئيس السابق لولا أن أطاحه الحراك الشعبي.
وقبل ساعتين من حديث الرئيس الجديد، خرجت تظاهرات في الجزائر العاصمة، شارك فيها الآلاف من المواطنين، الذين رفضوا بالمطلق نتائج الانتخابات الرئاسية، وقالوا إنهم لا يعترفون بالرئيس الجديد الذي عيّنته المؤسسة العسكرية، وفق ما كانوا يرددون في هتافاتهم. وشدّد المتظاهرون على مواصلة الحراك الشعبي إلى غاية تحقّق كلّ المطالب التي تتيح التغيير الجذري في البلاد، بينما رأى آخرون أن تبون ليس سوى ممثل رسمي للنظام يجب الضغط عليه للوصول إلى نقطة التفاوض على الانتقال الديموقراطي في البلاد.
وفي المسائل الدولية، بدأ عبد المجيد تبون رحلته الرئاسية بردّ حادّ على الرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون، الذي كان قد قال أمس إنه «أحيط علماً بانتخاب تبون رئيساً»، مشيراً إلى ضرورة أن يُفتح حوار في الجزائر بين السلطة والشعب. وتجنّب ماكرون أن يوجه تهنئة إلى الرئيس الجزائري، علماً بأن بلاده كانت قد رفضت على نحو مبطن مسار الانتخابات في الجزائر. وقال تبون ردّاً على ماكرون: «لن أجيبه... هو حرّ في أن يسوّق البضاعة التي يريد في بلاده، وأنا انتخبني الشعب الجزائري ولن أعترف إلا بالشعب الجزائري». أما بخصوص العلاقات مع المغرب، فأشار تبون إلى أنه يعرف الشعب المغربي جيداً، ويعلم مدى حبه للجزائريين، لكنه شدد على أن «العلة لن تزول إلا بزوال أسبابها»، في تلميح إلى أن الجار المغربي هو من ظلم الجزائر في قضية غلق الحدود سنة 1994 بعد اتهامه إياها بتدبير عملية إرهابية داخل أراضيه. وكان تبون قد اشترط، في حملته الانتخابية، أن يتقدّم المغرب باعتذار رسمي عما بدر عنه لفتح علاقات جديدة بين البلدين.