مَثّل قصف ميناء طرابلس أبرز الخروقات العسكرية التي شهدتها ليبيا في الأيام الأخيرة. بَرّرت قوات المشير خليفة حفتر الأمر بالزعم أنها استهدفت سفينة تستخدمها تركيا لجلب الأسلحة والمقاتلين. لكن، ليس ثمة دليل فعلي على تضرّر أيّ سفينة في الميناء. من جهتها، قالت حكومة «الوفاق»، المسيطرة على طرابلس، إن القصف كاد يطاول سفينة محمّلة بالغاز، ويؤدي إلى خسائر بيئية وبشرية. وترتّب على هذا التطوّر إعلان «الوفاق» انسحابها من الحوار العسكري الذي ترعاه بعثة الأمم المتحدة في جنيف، واعتبارها أن لا فائدة من النقاش ما دام أثره الميداني مفقوداً. لكن، تمّ استئناف الحوار مرة أخرى بعد تدخّل البعثة الأممية. وحتى الآن، تجري الاجتماعات على نحو منفرد، اذ يرفض كلا الطرفين الجلوس إلى طاولة واحدة.

حديث حفتر عن دور تركيا، والذي كرّره أمس في حوار مع وكالة «سبوتنيك» الروسية تزامناً مع زيارته إلى موسكو حيث التقى وزير الدفاع الروسي سيرغي شويغو، ليس خاطئاً. إذ لا تزال أنقرة تعمل على تسليح قوات «الوفاق» وتدريبها، وقد أقرّ الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، أمس، بأن بلاده أرسلت مقاتلين سوريين موالين لها إلى ليبيا، خلافاً للالتزام الذي وقّع عليه في «مؤتمر برلين» الشهر الماضي. لكن تصريحات حفتر، التي شدّد فيها على اعتبار الحضور التركي في ليبيا «احتلالاً»، تعبّر عن نصف الحقيقة فقط. فقبل «مؤتمر برلين» وبعده، لم تتوقف طائرات الشحن العسكرية عن التحليق بين أبو ظبي وشرق ليبيا، بوتيرة ثابتة شبه يومية. وأمس، أظهرت مواقع مختصّة في رصد حركة الطائرات خروج طائرتَي شحن من طراز «إليوشن» من قاعدة السويحان العسكرية في الإمارات باتجاه شرق ليبيا، حيث من المرجّح أنها حطّت في قاعدة الخادم التي جهّزتها أبو ظبي منذ أعوام وتستخدمها لعملياتها في البلاد. حشد العتاد العسكري من طرفَي النزاع في ليبيا يمرّ من دون أن يحظى بكثير من الانتباه، على عكس الخروقات الميدانية. عملياً، تُوفّر الهدنة القائمة منذ الشهر الماضي فرصة لتجديد الآليات العسكرية وإراحة المقاتلين وإعادة التفكير في التكتيكات المستخدمة، لذلك حظيت بموافقة المتقاتلين. لكن، ستنفجر الحرب مجدّداً ما لم تتولّد قناعة بالوصول إلى تسوية سياسية.

تُوفّر الهدنة القائمة منذ الشهر الماضي فرصة لتجديد الآليات العسكرية


من جهة أخرى، وفي ظلّ تسارع الجهود الدولية للعودة إلى الحوار، لا يزال حفتر يلجأ إلى سلاح القبائل، إذ تعطّل القبائل الموالية له إنتاج النفط في الشرق والجنوب الغربي، وتصديره عبر موانئ وسط البلاد، ما تسبّب إلى الآن بخسائر تجاوزت 1.7 مليار دولار، ومن المتوقع تزايدها مع استمرار الوضع الحالي. وتمثّلت آخر تحرّكات تلك القبائل في عقد مؤتمر في مدينة ترهونة جنوب العاصمة، يومَي الأربعاء والخميس، حَضَرته مئات الشخصيات القبلية، وأفرز 15 توصية، أهمّها المطالبة بسحب الاعتراف الدولي من «الوفاق» ومن المؤسسة الوطنية للنفط والمصرف المركزي في طرابلس. مطلب سحب الاعتراف من المؤسّستَين المذكورتَين يخدم تحقيقُه القبائل وحفتر معاً؛ فمن جهة، تطالب قبائل شرق البلاد منذ أعوام بنصيب أوفر من موارد النفط، باعتبار أن أغلبه يُستخرج من مناطقها، ومن جهة أخرى، تمثّل الموارد النفطية مكسباً في نظر حفتر يُمكّنه من السيطرة على مصدر الدخل شبه الوحيد لليبيا، واستكمال مشروعه العسكري - السياسي. تحاول بعثة الأمم المتحدة عقلنة التعامل مع هذا المطلب، إذ خَصّصت له مساراً تفاوضياً منفصلاً. وانعقد ثاني اجتماع حول الموضوع منتصف الشهر الجاري في القاهرة - بعد جلسة أولى في تونس بداية الشهر الماضي -، وحضرته 28 مؤسسة مالية واقتصادية وخبراء ومسؤولون. لكن لم يُسجّل خلال اللقاء تقدّم يذكر، فيما ينتظر أن تنعقد جلسة ثالثة مطلع الشهر المقبل، ويُرجّح أن يبقى إنتاج النفط متوقّفاً إلى ذلك الحين.