ما قبل ظهور «كورونا» ليس كما بعده في ليبيا. أواخر العام الماضي، ومطلع هذا العام، ظهرت بوادر سلام، أبرزها خفض القتال بفعل الضغط الدولي، أوروبياً ومن الدول المجاورة خاصة، والتفاهمات الأوّلية بين الروس الداعمين لقوات المشير خليفة حفتر، والأتراك المساندين لحكومة «الوفاق الوطني». لم تتكرّس تلك الجهود والتفاهمات في توقيع اتفاق تهدئة، ويعود ذلك أساساً إلى رفض حفتر وجود أي دور لأنقرة في جهود السلام، لكنها قلّصت نطاق المعارك بشكل ملموس. تلا ذلك إطلاق بعثة الأمم المتحدة مساراً تفاوضياً غير مباشر بين طرفي النزاع في جنيف، كان يفترض أن يقود إلى بلورة خريطة طريق تشمل وثائق تعاقدية لثلاثة مسارات: عسكرية وسياسية واقتصادية.

تلقّى هذا التوجّه، الذي شاركت فيه جميع القوى المعنيّة بالملف الليبي، ضربته الأولى باستقالة المبعوث الخاص غسان سلامة، مطلع الشهر الماضي، عقب عامين ونصف عام من تولّيه المسؤولية. ترك ذلك فراغاً هائلاً لم تنجح المنظمة الدولية في ملئه، وخاصة مع رفض واشنطن، بتحريض إماراتي مصري، وفق مصادر، تعيين وزير الخارجية الجزائري الأسبق، رمطان العمامرة، في المنصب بحجّة انحيازه إلى حكومة الوفاق. تزامنت استقالة سلامة مع تحوّل «كورونا» إلى جائحة عالمية، وفيما اعتبرت الأمم المتحدة ذلك فرصة لوضع حدّ للنزاعات، كان لآخرين رأي مخالف. غاب الحديث عن الهدنة الهشّة في ليبيا، وعادت أصوات السلاح للارتفاع، بدعم متواصل من القوى الإقليمية.

الساحل الغربي في أيدي «الوفاق»
من بين الدول القليلة التي بقي كبار مسؤوليها يعطون تصريحات حول ليبيا، هي تركيا. ليس ذلك صدفة طبعاً، إذ شهد الحضور التركي في ليبيا تزايداً واضحاً خلال الأشهر الأخيرة. تصاعد حضور الطائرات المسيّرة إلى جانب قوات حكومة الوفاق، وتحسّن أداء هذه الأخيرة خاصة على مستوى استعمال مدافع الهاون والاستهداف الدقيق، ويبدو ذلك نتاج تدريب تلقّته من خبراء أتراك.
لكن، تعوّل أنقرة أيضاً في مغامرتها الليبية على مقاتلين سوريّين من الفصائل الموالية لها، وصار هؤلاء يُعدّون بالآلاف (يبدو الهدف النهائي إرسال 6 آلاف منهم). وتظهر شهادات أن السوريين جنّدوا بالترغيب والترهيب، على أساس وعود بمنحهم الجنسية التركية ورواتب مجزية، وكذلك خوفاً من بطش الأتراك بهم في شمال سوريا أو داخل تركيا نفسها، مع أن بعضهم تطوّع للمهمّة لأسباب أيديولوجية أيضاً، أو حتى للانتقام من الروس الحاضرين في ليبيا عبر مقاتلين لشركة «فاغنر».
مرتكزة على ذلك، وعلى عوامل أخرى أهمّها شراء الولاءات (وهذه لعبة دائمة في ليبيا)، أطلقت قوات «الوفاق»، منتصف هذا الشهر، عملية «عاصفة السلام» التي سيطرت من خلالها على أهم مدن الساحل الغربي للبلاد خلال بضع ساعات، ليصير نفوذها ممتداً من مصراتة شرقاً إلى الحدود مع تونس غرباً.

تراجع حضور عناصر شركة «فاغنر» الروسية والطيران المسيّر الإماراتي


لم تشهد العملية قتالاً كبيراً، إذ عرف الموالون لحفتر، وهم يتمثّلون أساساً في ميليشيات سلفية مدخليّة، أنهم مهزومون، فانسحبوا. ويذكّر ذلك باستعادة «الوفاق»، العام الماضي، السيطرة على مدينة غريان (80 كلم جنوبي طرابلس) الجبلية ذات الأهمّية الاستراتيجية، التي مثّلت لأشهر مركز قيادة عمليّات قوات حفتر في المنطقة.
عقب ذلك، توجّه التركيز على السيطرة على أهم معقلين متبقيين لقوات المشير حفتر في غرب البلاد. هاجمت قوات «الوفاق» قاعدة «الوِطْيَة» الجوية الواقعة في منطقة صحراوية قرب الحدود مع تونس، وهي الوحيدة من نوعها لدى قوات المشير حفتر غرب البلاد، لكنّ الهجوم لم يسفر عن نتيجة حاسمة، وهو مستمرّ على نحو متقطّع.
شهدت ترهونة (نحو 70 كلم جنوبي شرقي طرابلس) هجوماً مماثلاً، لكنّها مدينة جبليّة محصّنة وتفرض ميليشيات متحالفة مع حفتر هيمنة شبه مطلقة على سكّانها، لذلك تبدو السيطرة عليها، عسكرياً أو عبر استقطاب أجزاء من الفاعلين داخلها، أمراً عسيراً، لذلك تركّز قوات «الوفاق» على قصفها عبر الطائرات المسيّرة ومحاولة محاصرتها.
من الجهة المقابلة، يبدو أن حضور عناصر شركة «فاغنر» الروسية للمقاولات العسكرية في تراجع، إذ اختفت تقريباً آثارهم، وهو ما يفسّر، إلى جانب تقلّص الحضور الإماراتي عبر الطيران العسكري المسيّر، الخسائر التي سجّلتها قوات حفتر. لتعويض هذا الغياب، عزّزت هذه الأخيرة توظيف المقاتلين السودانيّين، ويبدو أن أغلب هؤلاء من الفصائل المعارضة من دارفور.



خسائر بالمليارات وموجة نزوح
مطلع هذا العام، أغلقت قبائل مساندة لقوات خليفة حفتر مواقع إنتاج النفط وتصديره في شرق البلاد ووسطها وجنوبها، وهو أمر متواصل. جاء ذلك للمطالبة بتوزيع عادل لموارد المحروقات، وهو مطلب طبيعي، لكن تتخفى وراءه أيضاً نزعات فيدرالية شرق البلاد، وكان يفترض أن يتمّ تداوله في جنيف قبل أن يعلّق مسار التفاوض.
سبّب ذلك خسائر بمليارات الدولارات، تعتمد عليها ليبيا بشكل شبه كامل في تمويل موازنتها التي تشمل صرف رواتب نحو مليون ونصف مليون موظف حكومي (من إجمالي قرابة ستة ملايين ساكن). الآن، أضيفت إلى ذلك أزمة أسواق النفط لتذهب بقيمة الإنتاج المتبقي.
تزامنت هذه الأزمة الأخيرة مع انتشار «كورونا» الذي قلّص أيضاً الإمدادات الغذائية في ليبيا التي تستورد كلّ ما تستهلك تقريباً. انعكس ذلك على المواطنين الذين نزح عشرات الآلاف منهم عن مساكنهم جنوب العاصمة، سواء لجهة الدعم الحكومي أو ارتفاع الأسعار.
الخشية الأكبر هي من انفجار أزمة صحّية نتيجة الوباء. حتى الآن، سجّل أقل من 60 إصابة وحالة وفاة واحدة في ليبيا، لكن عدد الفحوص التي أجريت محدود، علاوة على إمكانيات قدوم مصابين من الجالية المقيمة في أوروبا، وهي وازنة وخاصة في إيطاليا. النظام الصحّي في ليبيا منهار أصلاً منذ عقود، وتفاقم ذلك نتيجة الحرب والقصف المتكرّر للمؤسسات الاستشفائية، ما يساوي كارثة محقّقة في حال تفاقم انتشار الفيروس.