القاهرة | باتت المواجهة العسكرية بين مصر وتركيا في ليبيا بحكم المحسومة، لكن تفاصيلها وحدودها ستكون أكثر وضوحاً في الأيام المقبلة. المبادرات الدولية لمنع الاشتباك فشلت. وأمس، حصل الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي على تفويض من البرلمان، بالإجماع، بالتدخّل العسكري خارج الحدود «لحماية الأمن القومي والعمق الاستراتيجي» في ليبيا، في جلسة برلمانية سرّية استمرت نحو ساعة، مُرّر خلالها القرار بعد يوم من اجتماع مجلس الدفاع الوطني واتخاذ القرار ذاته.

بحسب قرار البرلمان، فإن التفويض الجيش هو من أجل «إرسال عناصر من القوات المسلحة المصرية في مهام قتالية خارج حدود الدولة المصرية للدفاع عن الأمن القومي المصري في الاتجاه الاستراتيجي العربي ضد أعمال الميليشيات الإجرامية المسلحة والعناصر الإرهابية الأجنبية لحين انتهاء مهمة القوات»، وهو موضوع المادة 152 من الدستور. وقد جاء التفويض مفتوح المدة والمهام، تاركاً لقيادة الجيش اتخاذ ما تراه من إجراءات مناسبة. واستدعت مصر لساعات قليلة عدداً من أبناء القبائل الليبية - من بينهم من شارك في الاجتماع الذي عقد مع السيسي - حيث اجتمعوا لساعات مع مسؤولين عسكريين قبل أن يغادروا عائدين إلى بلادهم على متن رحلة طيران خاصة.
حسمت القاهرة أمرها بالمواجهة، وهي تستعد لخوضها في خلال أيام، أو ربما ساعات. هذا القرار لم يكن رغبة في التصعيد، لكنه جاء مع فشل جميع الجهود التي بذلت في الأيام الماضية في تقريب وجهات النظر والوصول إلى حلول توافقية، خاصة من الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون، الذي عمل على منع هذه المواجهة باتصالات مكثفة على مدار الأيام الماضية، كشف عنها في مقابلة مع التلفزيون الجزائري. وعلى الرغم من طرح المبادرة الجزائرية على مستوى وزراء خارجية دول الجوار والنقاش في تفاصيلها مع الأمم المتحدة، فإن المبادرة لم تنجح حتى اللحظة في الوصول إلى موافقة مصرية – تركية، في وقت تبدي فيه الجزائر مخاوف من صومال جديد على حدودها الغربية، مع الاستعداد المصري لتسليح أبناء القبائل. وهي خطوة تلقى معارضة جزائرية، فيما ترى القاهرة أن هذا الأمر هو الوحيد الذي يمكن قبوله لمواجهة «العدوان التركي والمرتزقة الذين قام (الرئيس التركي رجب طيب) إردوغان بنقلهم من تركيا إلى ليبيا في خلال الأشهر الماضية».

تفهّم ترامب «الشواغل المصرية» المتعلقة بالتبعات السلبية للأزمة


فشلت، كذلك، الوساطة الأردنية التي دخلت على الخط، كما الجهود الأميركية التي انتهت باتصالين هاتفيين أجراهما الرئيس الأميركي دونالد ترامب مع نظيريه المصري عبد الفتاح السيسي، والفرنسي إيمانويل ماكرون، حيث سمع ترامب من الأخيرين شكوى من استمرار عملية التحشيد التركية وبلوغها مبلغاً «لا يمكن التسامح فيه بأي شكل من الأشكال»، وبات الكلام صريحاً عن التوجه نحو حملة لمواجهة تركيا على المستويين السياسي أو العسكري. وبحسب الرئاسة المصرية، فإن ترامب تفهّم «الشواغل المصرية» المتعلقة بالتداعيات السلبية للأزمة الليبية على المنطقة، في وقت أكد فيه السيسي أن الهدف من أي عمل تقوم به مصر هو «استعادة توازن أركان الدولة والحفاظ علي مؤسساتها الوطنية، ومنع المزيد من تدهور الأوضاع الأمنية، وذلك بتقويض التدخلات الأجنبية غير المشروعة في الشأن الليبي، التي لم تزد القضية إلا تعقيداً وتصعيداً، حتى باتت تداعيات الأزمة تؤثر على الأمن والاستقرار الإقليمي بأسره». ورغم مناخات التصعيد السائدة وما فُهم في القاهرة على أنه «ضوء أخضر» أميركي، أورد بيان الرئاسة المصرية، كما البيت الأبيض، أن الطرفين توافقا «على تثبيت وقف إطلاق النار وعدم التصعيد، تمهيداً للبدء بتفعيل الحوار والحلول السياسية».
في غضون ذلك، قدّمت فرنسا وألمانيا وإيطاليا طرحاً يقضي بتحديد الجهات التركية المشاركة في خرق حظر الأسلحة والمقاتلين ونقلهم إلى طرابلس في الأسابيع الماضية، تمهيداً لفرض عقوبات عليهم. من جهتها، ترفض مصر بشكل حازم استمرار الخروقات التركية التي تضمن، حال السير على هذا النمط، سيطرة تركيا بالكامل على منطقة الهلال النفطي في أقل من شهر، وهو ما يستلزم، وفق القاهرة، تدخلاً عاجلاً في ظل استمرار وصول المقاتلين الأجانب.
في المقابل، أكد المتحدث باسم الرئاسة التركية إبراهيم قالن أن تصعيد التوتر في ليبيا ليس في مصلحة بلاده ولا أي دولة أخرى، موضحاً أن لا نية لدى تركيا لمواجهة مصر أو فرنسا أو أي بلد آخر في ليبيا. ورأى أن الوجود التركي على الأراضي الليبية «حقق التوازن المطلوب من أجل الدفع نحو الحل السياسي للأزمة وفق قواعد الأمم المتحدة ومخرجات مؤتمر برلين».
لغة التهدئة السياسية في تركيا، تربطها قوات اللواء خليفة حفتر بـ«الشكل الدبلوماسي فقط»، في ظل التحركات العسكرية المكثقة. لكن، في المقابل، ثمة تقارير استخبارية ليبية-مصرية مشتركة تفيد بتراجع تركي عن تنفيذ أي مخططات هجومية باتجاه محور سرت – الجفرة، خشية التصعيد المصري في الأيام المقبلة.