القاهرة | يبدو أن رئيس حكومة «الوفاق»، فائز السرّاج، لم يعد قادراً على إدارة معسكره بالاحترافية السابقة، في ظلّ وجود ضغوط غير مسبوقة يتعرّض لها، وخاصة من حلفائه وداعميه، سواء جماعة «الإخوان المسلمون» أو تركيا، أو حتى الأميركيون الذين يشعر بأنهم تخلّوا عنه أخيراً. هذا التخبّط تشي به الخطوات الأخيرة للرجل، الذي كان قد حصل على الاعتراف الدولي بموجب «اتفاق الصخيرات»، ليتولّى رئاسة حكومة مؤقتة جرى تمديد الاعتراف بها بما يتجاوز المدّة المنصوص عليها في الاتفاق بكثير. الشهر الماضي، استجاب السراج لقرار وقف إطلاق النار المدعوم من رئيس مجلس النواب العامل في طبرق، عقيلة صالح، للتهدئة مع اللواء المتقاعد خليفة حفتر، ووقف الاقتتال، مع إعادة تنظيم النقاط الخلافية. وهي الاستجابة التي ساهمت في تنظيم حوار ليبي - ليبي في المغرب استمرّ لأيام، وتَوصّل إلى مخرجات ستُشكّل نواة لما سيتمّ الاتفاق عليه برعاية أممية، ولا سيما لناحية توزيع المناصب السيادية.

قبل ذلك، كان السرّاج قد اقترح إجراء انتخابات نيابية ورئاسية في آذار/ مارس المقبل تَضْمن تسليم السلطة، وهو ما قد يكون مستحيلاً تحقيقه بالنظر إلى غياب التوافق على المبادئ التي يمكن إجراء الانتخابات على أساسها. وفي مبادرته الأخيرة، التي أعلن بموجبها استعداده للرحيل بحلول شهر تشرين الأول/ أكتوبر المقبل، وضع شرطاً للتخلّي عن السلطة، وهو أن تَتسلّمها منه سلطة تنفيذية تنتج من المشاورات الأخيرة، مع نهاية الشهر المقبل، الأمر الذي لا يبدو مضموناً.
مع ذلك، يظهر أن السرّاج اختار التوقيت المناسب للاستقالة، مع توصّل المشاورات المنعقدة في سويسرا تحت رعاية الأمم المتحدة إلى اتفاقات أولية. إذ إنه، بخطوته تلك، استبعد أيّ احتمال لتصعيد أعضاء «المجلس الرئاسي»، أو إيكال سلطة التقرير إلى المؤسسات القائمة راهناً، وهو ما من شأنه عرقلة أيّ مكتسبات تمّ التوافق عليها خلال المدة الماضية. وتستند الاتفاقات التي جرى التوصّل إليها في المغرب وسويسرا خلال الأسبوعين الماضيين، إلى إجراء محاصصة تشمل توزيع الثروة وتقسيم المناصب السيادية، فيما يبقى الاختبار في القدرة على اختيار الشخصيات المناسبة من كلّ تيار والتوافق عليها، وسط تقديرات بأن هذا الأمر لن يحدث قبل نهاية العام الجاري، وهو ما قد يدفع السرّاج إلى تأجيل استقالته. وبموجب تلك الاتفاقات، يفترض تشكيل سلطة انتقالية جديدة مدّتها 18 شهراً، على أن تُجرى الانتخابات بحلول عام 2022 مع اكتمال قاعدة البيانات الخاصة بالناخبين، والاستقرار على النظام السياسي الذي سيحكم الدولة.

لم يستقرّ التحالف المصري - الإماراتي - الفرنسي على بديل لحفتر


يميل السراج إلى تزكية المسار الحالي بوصفه المخرج الأخير والوحيد. وفيما رفض الرجل محاولات فرنسية الأسبوع الجاري لإجراء لقاء ثلاثي في باريس بينه وبين حفتر وصالح، تسود طرابلس حالة من الترقب لما ستُخلّفه مفاجأة الاستقالة على «المجلس الرئاسي». ويذهب مقرّبون من السرّاج إلى أن خطوته تلك قد تكون تمهيداً لخوضه سباق انتخابات الرئاسة، في ظلّ تأكيده أنه لا يرغب في البقاء في السلطة خلال المرحلة الانتقالية، وهو ما يعني أنه سيحاول خلال ذلك الحصول على دعم بعض الأطراف التي تَخلّت عنه في الأسابيع الأخيرة.
من وجهة نظر مصرية، أراد السرّاج بإعلان اعتزامه الاستقالة التخلّص من عبء التظاهرات ضدّه، لكن لا يزال الهاجس الأمني مسيطراً على العاصمة، بما يُشكّل عنصر إقلاق لأطراف عدّة، وخصوصاً في ظلّ وجود أكثر من عشرة آلاف مرتزق هناك، نُقلوا خلال الشهور الماضية. مع هذا، ثمّة رهانات متزايدة على تراجع دورهم وتعايشهم مع حالة الهدوء النسبي التي يفترض أن تكتمل في الأسابيع المقبلة ضمن المرحلة الجديدة برعاية أممية. وترى تحليلات مصرية في استقالة السراج مناورة، ولا سيما إزاء الأتراك، لشعوره بالضيق بسبب الانحياز التركي إلى وزير داخليّته، فتحي باشاغا، بل مناورة لاستكشاف مؤيّديه من معارضيه داخل «المجلس الرئاسي». الأهمّ في الوقت الحالي، بالنسبة إلى التحالف المصري - الإماراتي - الفرنسي، هو الاستقرار على الخليفة المحتمل لحفتر، علماً بأن هذا التحالف لا يزال إلى الآن عاجزاً عن ذلك، في ظلّ محدودية تحرّكات اللواء المتقاعد، وخاصة خلال المدة الأخيرة، ووسط مخاوف من سيناريوات كارثية في حال فشل المفاوضات والعودة إلى الاقتتال.

اشترك في «الأخبار» على يوتيوب هنا