شهدت العاصمة الليبية، طرابلس، يومَي الـ 26 والـ 27 من الشهر الجاري، أعنف صدامات بين ميليشيات الأطراف السياسية المتناحرة، منذ محاولة خليفة حفتر الاستيلاء على المدينة (نيسان 2019). صداماتٌ خلّفت أكثر من 23 قتيلاً و140 مصاباً، وخسائر مادية جسيمة في منشآت وممتلكات متفرّقة في أرجاء المدينة، وسط مساعي رئيس الحكومة الموازية، فتحي باشاغا، لتكرار مغامرة حفتر، وطرْد رئيس حكومة الوحدة، عبد الحميد الدبيبة، من العاصمة. ونجحت الميليشيات المؤيّدة لباشاغا في السيطرة على أجزاء من العاصمة، فيما لا تزال نظيرتها الداعمة للدبيبة تسيطر على معظم أجزاء المدينة، في تصعيد دانه أغلب الليبيين، واعتبروه نزاعاً إجرامياً على السلطة لا يضع في اعتباره حدوداً دنيا لمصالح الشعب، بقدْر ما أنه تنفيذ لأجندات خارجية واضحة. وبالمثل، دانت بلديّة طرابلس طرفَي النزاع وسلوكهما، معلنةً مسؤوليّتهما عن تدهور الأوضاع في المدينة.


الدبيبة وباشاغا: الإخوة الأعداء
يملك فتحي باشاغا، مقارنةً بالدبيبة، تاريخاً واضحاً من الانخراط في الأزمة السياسية الليبية، منذ سقوط حُكْم العقيد معمر القذافي، وبداية من عضويته في ما عُرف بـ«المجلس العسكري» في مصراتة، و«اللجنة الاستشارية في هيئة المصالحة الوطنية»، و«مجلس شورى مصراتة» (2012)، وعضويته في «لجنة الحوار السياسي» عن مجلس النواب (2016)، ثم تقلُّده منصب وزير الداخلية في حكومة فائز السراج (تشرين الأوّل 2018)، قبل هزيمته في الانتخابات على منصب رئيس الوزراء أمام غريمه الحالي، ليعلن بعدها دعمه لإدارة الدبيبة. وهكذا، فإن باشاغا، الذي عمل على تطوير صلات خاصّة مع الدول الإقليمية المعنيّة بالأزمة في بلاده، يعوّل في مسعاه لقيادة البلاد، على خبرته السياسية، عوضاً عن تقارب براغماتي مع حفتر (منذ اجتماعهما نهاية كانون الأوّل 2021 في بنغازي)، وعلى خفوت انتقاده للإمارات التي اعتبرها الدافع الأوّل للفوضى في بلاده (أيّار 2020)، وتبنّى ما عرف بسياسة «كسْر الحاجز الأخير» من أجل مستقبل ليبيا، وقَبِل، في مطلع آذار الماضي، تكليفَ «برلمان طبرق» له بتشكيل حكومة انتقالية، صادق البرلمان لاحقاً، في حزيران، على مشروع موازنتها بقيمة 94 مليار دينار ليبي (نحو 19 مليار دولار).
من جهته، رفض الدبيبة، الذي انتهت ولاية حكومته نهاية العام الماضي بعد فشل عقْد الانتخابات الليبية كما كان مقرّراً، هذه المتغيّرات بحجّة عدم تسليمه السلطة إلّا لحكومةٍ منتخبة ديموقراطياً وبطريقة سلميّة. وفاقمت الأزمة من المصاعب التي تواجهها حكومة الدبيبة في الملفّات الاقتصادية والأمنية، كما اتضح أخيراً في نَسْب تغريدة لرئيس حكومة الوحدة يعلن فيها استقالته، تمّ التأكيد أنها مزوّرة، ومحاولة استمالة ما عُرفت باسم «القوّة المشتركة - مصراتة» عبر إصدار قرارٍ بإعادة تشكيلها تحت مسمّى «لواء ليبيا» وتخصيص مبالغ مالية إضافية لها - بحسب مصادر إعلامية ليبية - وتكليفها بحماية مقرّ رئاسة الوزراء في طرابلس بالتعاون مع «قوّة حماية الدستور والانتخابات».

الانتخابات الليبية: الغاية والوسيلة
تبنّت حكومة باشاغا إدارة البلاد لمرحلة انتقالية مدّتها 14 شهراً تنتهي بإجراء انتخابات وطنية، بينما بادرت حكومة الدبيبة الى رفض هذا المسار، وأكدت، في تصريحات قبل أقلّ من أسبوع، بقاء «حكومة الوحدة»، وأنه لا حلّ في ليبيا إلا بالانتخابات. وإلى هذا التضارب في الرؤى، سعى الدبيبة إلى التدخُّل في ملفّ حسّاس للغاية هو «توحيد المؤسّسة العسكرية»، على نحوٍ يتجاوز حفتر وحلفاءه بشكل واضح، وإلى استمالة مكوّنات عسكرية أخرى عبر دعم مادي كبير (في تكرار لنموذج «القوّة المشتركة»)، وهو توجّه دعمه إعلان رئيس «المجلس الرئاسي» الليبي، محمد المنفي (23 آب)، اشتغال المجلس على توحيد المؤسّسة العسكرية «من خلال إعادة بناء الثقة بين رئاسة الأركان العامة في المنطقتَين الشرقية والغربية»، على خلفية وجود تقدُّم فعلي في هذا الملفّ وبروز مسار «بديل» للتقارب بين الشرق والغرب عسكرياً خارج مظلّة حفتر (قاد مفاوضاته رئيس الأركان في حكومة الوحدة محمد الحداد، وعبد الرزاق الناظوري «في الجيش الليبي»). وعزّزت الاشتباكات فرضيّة النزاع على السلطة «خدمةً لأجندات خارجية» وتفادي التوصُّل إلى تسوية سياسية شاملة ستؤدّي حتماً إلى عزْل فاعلين في الأزمة لمصلحة هذه الأجندات، ولا سيما في الإمارات وتركيا.
أمّا ملفّ الانتخابات، فيبدو أنه سيظلّ وسيلة الأطراف المتصارعة لاستدامة الأزمة والحفاظ على حدود المحاصصات في الموارد الاقتصادية والسياسية الليبية والتوصُّل إلى «تسوية» وصائية على إرادة الشعب الليبي في الأساس، ولا سيما أن «الانتخابات» تظلّ مرهونة، حتى الآن، بترتيبات وضْع المؤسّسة العسكرية، وليس العكس.

المتغيّر الخارجي الأبرز في إدارة الأزمة الليبية واحتمالات التصعيد المرتقبة يتمثّل في حادث إسقاط المسيّرة الأميركية


المقاربة الإقليمية والدولية
يبدو أن المتغيّر الخارجي الأبرز في إدارة الأزمة الليبية واحتمالات التصعيد المرتقبة، يتمثّل في حادث إسقاط المسيّرة الأميركية من طراز MQ-9 Reaper قرب بنغازي، والتي كانت مكلّفة «بدعم ريتشارد نورلاند، السفير والمبعوث الأميركي الخاص إلى ليبيا، وارتباطاته الدبلوماسية»، بحسب بيان قيادة أفريقيا الأميركية (22 آب). وعلى رغم أن التحقيقات بدأت لتوّها، فإن تقارير عسكرية أميركية أكدت ضلوع قوات خليفة حفتر (الجيش الوطني الليبي)، بدعم مباشر من «قوّة روسية»، في العملية، علماً بأن حركة «الطائرة كانت تتمّ بالتنسيق مع السلطات الليبية المناسبة» (ربما في إشارة إلى قوات حكومة الوحدة الليبية المعترف بها دولياً). ويعكس هذا الحادث الذي لم يقع نظيره منذ عام 2019، الارتباك على مستوى المقاربة الدولية والإقليمية للملفّ الليبي، ويُظهر أن المسار «الموازي» لتوحيد المؤسّسة العسكرية حقَّق اختراقات مهمّة مثّلت، في جوهرها، تهديداً لحفتر وشبكة دعمه ومستقبل دورها في «المرحلة الانتقالية» الحالية.
وتبنّت تركيا، في بيانٍ أمس، موقف حكومة الدبيبة تماماً، إذ دعت إلى ضرورة عقْد انتخابات حرّة ونزيهة في جميع أرجاء ليبيا، وفي «أسرع وقت ممكن»، لضمان الاستقرار والأمن الدائمَين في هذا البلد. من جهتها، بادرت مصر، أوّل من أمس، الى الإعلان عن التواصل مع «جميع الأطراف الليبية» للتوصُّل إلى هدنة عاجلة، فيما تُعيد القاهرة تقييم مقاربتها للأزمة الليبية في ضوء احتمالات تجاوُز مسار مفاوضات «توحيد المؤسّسة العسكرية الليبية» الموازي لدورها الحصري والتقليدي في هذا الملفّ. أمّا الإمارات، الداعم الأبرز لحفتر وباشاغا، فدانت العنف في ليبيا، ودعت جميع الأطراف إلى الوقف الفوري للعمليات العسكرية وتنحية الانقسامات واستعادة الهدوء والحوار الجادّ. وأعادت أبو ظبي (التي اعترضت بمفردها في مجلس الأمن منتصف العام الجاري، وبدعم من دول عربية، على تعيين الدبلوماسي الجزائري صبري بوقادوم مبعوثاً أمميّاً إلى ليبيا، خلفاً ليان كوبيش، ليظلّ المنصب شاغراً منذ تشرين الثاني الماضي) تأكيد موقفها الداعي إلى التوصّل إلى حلّ للصراع، ودعمها لكلّ ما يَحفظ أمن ليبيا واستقرارها ووحدتها بما يتّفق مع مخرجات خريطة الطريق وقرارات مجلس الأمن واتفاق وقف إطلاق النار، لضمان انتخابات ناجحة.
أمّا الولايات المتحدة، التي لم تعلّق بعد على الاشتباكات الجارية، فاستبقتها بإعلانها (20 آب) رفْض أيّ خطوات من قِبَل أيّ طرف يمكن أن تقود إلى تصعيد في العنف وإعاقة التوجُّه الحالي من قِبَل الفاعلين الليبيين الرئيسيين والشركاء الدوليين للدفع نحو «انتخابات مبكرة». ورأت الخارجية الأميركية أن «عدم الاستقرار الجاري» يذكّر بالحاجة الملحّة إلى تعيين مبعوث أممي جديد إلى ليبيا، لمواصلة جهود الوساطة بدعم موحّد من المجتمع الدولي، على أن تعيد واشنطن التزامها بضرورة عقْد الانتخابات خلال جلسة مجلس الأمن المقرَّرة حول ليبيا في 30 آب الجاري.
وعلى رغم هذه المواقف الرسمية الداعمة للهدوء والسلمية، والتي تتجاهل في مجملها تداعيات التدخّل الخارجي في ليبيا على استدامة أزمتها وتعميقها، فإن استمرار وضْع مستقبل هذا البلد على نحو متكرّر عند حافة الهاوية، والرفض الشعبي المتزايد لأدوار الفاعلين الخارجيين، قد يؤدّي إلى نتائج غير متوقَّعة على المدى القصير في مجمل مسار الأزمة الليبية، ونحو فوضى مفتوحة مجدداً.

ماذا بعد
يُبرز سَعي أطراف الأزمة الليبية والأطراف الخارجية الداعمة لها حقيقة عدم وجود رغبة في التسوية السلمية للأزمة عبر عملية سياسية سلسة من أجل تجاوز الوضع القائم منذ أكثر من عقد، بل تكريس حالة الفوضى والعنف لمصلحة حفاظ هذه الأطراف على مكاسبها المترتّبة على استدامة هذا الوضع. وحتى إذا قادت جلسة مجلس الأمن حول ليبيا إلى تعيين مبعوث أممي خاص لإدارة المقاربة الدولية للأزمة الليبية، فإن هذا المسار لن يُنجز قبل نهاية العام الجاري، وستتزامن فعالية انخراط المسؤول الأممي المرتقب تعيينه، مع قرب نهاية المرحلة الانتقالية لحكومة باشاغا، ومن ثم يُتوقّع أن يستمرّ التناقض الحالي والعمل على حسْم تسوية المحاصصات قبل أيّ انتخابات ليبية، وأن تكون الانتخابات عنصراً مكمّلاً للتسوية وليس أساساً لها.