تونس | مطلع الشهر الحالي، ألقى الأمين العام لـ«الاتحاد العام التونسي للشغل»، نور الدين الطبوبي، خطاباً عالي النبرة، رأى فيه أن تونس تفتقر إلى «عقل سياسي موحّد»، وأن «الانتخابات المقبلة فاقدة لأيّ طعم أو لون باعتبارها وليدة مسار غير تشاركي، وبلا إجماع من الساحة السياسية»، في ما بدا انتقاداً واضحاً للرئيس قيس سعيد. ولكن الجزء الأكبر من انتقاداته وُجّه إلى حكومة نجلاء بودن، وتحديداً حول اتّفاقاتها الغامضة مع «صندوق النقد الدولي»، وتوجّهاتها العامّة في الإصلاحات الاقتصادية والاجتماعية، وإخفاقها في تحقيق أيّ انتعاش في البلاد. وعلى إثر ذلك، هرعت «جبهة الخلاص الوطني» المُعارِضة إلى استثمار خطاب الطبوبي، عادّةً إيّاه مؤشّراً إلى «قطيعة نهائية» بين سعيد و«منظّمة الشغيلة»، ومتنبّئةً بـ«حرب طاحنة» على خطّهما، لم تُخفِ تصريحات بعض قياديّيها توقّعها انهيار أحد طرفَيها في النهاية. وأغفلت «الجبهة»، في ما تَقدّم، حقيقة أن «اتّحاد الشغل» لا يزال يُبقي على صلة مع سعيد، وأنه في أقصى السيناريوات تطرّفاً لا يرى في الأولى بديلاً يمكنه أن يركن إليه، وإنّما إعادة إنتاج لمنظومة العشرية الفارطة. وممّا يعزّز هذا التقدير، مشاركة الطبوبي وسعيد كلَيهما، قَبيل يومين من إلقاء الأوّل خطابه المُشار إليه، في فعالية إحياء الذكرى السبعين لرحيل الزعيم المؤسّس للمنظّمة فرحات حشاد، ثمّ عودة «الاتّحاد» ليوضح أن أمينه العام لم يقصد الدعوة إلى مقاطعة الانتخابات التشريعية، وإنّما ترَك الحرية لقواعده ولعموم التونسيين في تحديد موقفهم منها.

هذه التطوّرات أعادت إرباك حسابات المعارضة، شأنها شأن مشاركة سعيد في القمّة الصينية - العربية المنعقِدة في الرياض، والتي جاءت مُخالفةً للتوقّعات. وممّا يزيد حراجة موقف المعارِضين عجزهم عن تجاوُز خلافاتهم، وهو ما تجلّى في عدول بعضهم، وتحديداً أولئك الذي هُم خارج «منظومة ما قبل 25 تموز»، عن الخروج في مسيرة كانت مقرَّرة غداً، لمناهضة «المسار الاستثنائي». وإلى ما قبل فترة، كان اجتماع «حزب العمال» الشيوعي المعارِض لجميع الأطراف التي انخرطت في منظومة الحُكم، مع «التيار الديموقراطي» الذي شارك في حكومة إلياس الفخفاخ، شبه مستحيل، وخصوصاً أن «الديموقراطي» سليل لـ«حزب المؤتمر من أجل الجمهورية»، أحد حلفاء «النهضة» في 2011، قبل أن يَفقد شعبيّته ويضمحلّ تقريباً في 2014، والذي يَعدّه «العمال» جزءاً من منظومة التغطية على الاغتيالات السياسية. ومع هذا، فقد اجتمع الطرفان، ليسارع «العمال» إلى «زلّة» المشاركة المقنّعة في تظاهرة ضدّ سعيد دعت إليها «الخلاص»، وهو ما أثار قواعده، التي رفضت اعتبار تحرّك حزبها منعزلاً عن تحرّك «النهضة».

يرفض التونسيون، بوضوح، تخييرهم بين منظومة «النهضة» ونظام سعيد


أعادت هذه الخطوة إلى الأذهان تجربة 18 تشرين الأول 2005 الشهيرة، والتي مدّت فيها أحزاب اليسار، التي عانت الويلات في ظلّ نظام الرئيس زين العابدين بن علي، يد العمل السياسي المشترك إلى حزب «النهضة»، الذي أتيحت لقياداته فرصة مغادرة البلاد بموجب تسوية مع النظام. هكذا، وضعت تلك الأحزاب، وبخاصة «الحزب الديموقراطي التقدّمي» - أي «الجمهوري» اليوم -، تناقضها مع «النهضة» في مرتبة ثانوية، جاعلةً معركتها مع النظام أولويتها المطلقة، ومنغمسةً فيها إلى أبعد الحدود، وفق ما أظهرته مناسبات مختلفة كانتفاضة الحوض المنجمي، والمعارك النقابية والطلابية. في هذا الوقت، كانت «النهضة» ترتّب بيتها الداخلي، وحال وقوع انتفاضة عام 2011، انقلبت على حلفائها «الإصلاحيين»، وركزّت إمكاناتها على تهشيمهم. ولذا، تُواجه أحزاب اليسار، اليوم، انتقادات بشأن تكرارها «الخطأ» نفسه، علماً أنها تراجعت في اللحظات الأخيرة عن المشاركة في تظاهرة «جبهة الخلاص». وبذا، عادت «الجبهة» وحيدة في تعبئة الشارع ضدّ سعيد، بفعالية محدودة، على رغم أن استطلاعات الرأي تثبت تقلّص شعبيّة الرئيس. وتعود هذه المحدودية إلى أن الداعي إلى الحراك لا يُنظر إليه على أنه بديل أفضل.
بالنتيجة، يرفض التونسيون، بوضوح، تخييرهم بين منظومة «النهضة» ونظام سعيد المرتبك والعشوائي، ولعلّ ذلك ما يفسّر عزوفهم عن المشاركة في الانتخابات، والتي تشير جميع التوقّعات إلى أنها ستكون ضعيفة للغاية، شأنها شأن المشاركة في الاستشارة أو الاستفتاء على الدستور. وفي هذا السياق، فإن جولات الرئيس المكّوكية في ربوع البلاد، وزياراته للجهات الداخلية، وتجوّله في الشوارع للقاء المواطنين، لم تَعُد عليه بالزخم المطلوب، كما لا يبدو أنها ستغيّر شيئاً في المعادلة. من هنا، يَظهر سعيد أقرب إلى «خيبة أمل» جديدة، لا نتيجة لتفرّده بالحُكم، وإنّما لإخفاقه في تلبية أيّ من وعوده الأخرى، وفي مقدّمتها محاربة الفساد والاحتكار، والمساءلة والمحاسبة، وتحقيق الانتعاش الاقتصادي.