حقّقت قطر نجاحاً دبلوماسياً لافتاً في 29 آب 2010، حين توسطت (مجدداً) بين المتمردين الحوثيين والحكومة اليمنية. لعل ذلك جزء من مسار أخذته قطر على عاتقها في السنوات الماضية، كوسيط مهمّ حسن السمعة في مناطق النزاعات.

كذلك كان نجاحها عام 2008 على وجه الخصوص، مذهلاً، بقيامها بوساطة بين الأطراف المتنازعة في لبنان، إذ جرى تجنيب البلاد العنف المتصاعد.
ويبدو أنّ جلّ اهتمام السياسة الخارجية في قطر تجاه الآخرين، هو أن تمسك العصا من الوسط، بما يؤمّن مصلحتها الأمنية. فإلى جانب العلاقة التقليدية مع ضامنتها الأمنية (الولايات المتحدة الأميركية)، أجرت قطر تقويمات إضافية، من خلال وضع أهداف للسلطة «الناعمة» مثل الدبلوماسية، وحلّ النزاعات، وسياسة إعلامية خارجة عن السائد في المنطقة (إطلاق قناة «الجزيرة» الفضائية عام 1996).

قطر تتطور على مستوى السياسة الدولية

من خلال نظرة الى الخريطة، نجد أنّ قطر تقع وسط دول مجاورة صعبة المراس. الإمارة الصغيرة (11586 كيلومتراً مربعاً) تبدو مجرد ذيل ملحق بالسعودية، إذ تبلغ مساحة المملكة 2149690 كيلومتراً مربعاً أي أكبر بـ185 مرة من قطر. ولا سيّما أنّ الدولتين لم تتوصلاّ إلى حل المشكلة الحدودية بينهما.
أمّا الجار الإشكالي الآخر، فهو إيران (1.648195 كيلومتراً مربعاً). هذا وضع جيو ــ بوليتيكي غير مريح للإمارة، قادها إلى محاولة منتظمة من أجل ضمان أمنها عبر مقوّمات السياسة الخارجية. كانت بريطانيا في الماضي تتولى أمورها، وأصبحت في هذه الأيام الولايات المتحدة ضمانتها (الأمنية). في مطلع عام 1916، سعت العائلة الحاكمة القطرية بنفسها إلى نيل الحماية البريطانية في وجه محاولات ضمها من جانب السعودية.
لعل إحدى المحاولات التي تعدّها الدوحة سبيلاً لحفظ مركزها وكيانها، هي تأجير منطقة «العُديد» كقاعدة جويّة للجيش الأميركي، التي يمكن تفسير وجودها بأنّها لحماية قطر في وجه جارتيها الكبيرتين (السعودية وإيران).
إلى حد بعيد، تناسب السياسة القطرية تلك النظريات التي تعتمدها الدول الصغيرة، والتي تنفّذ نظاماً جزئياً من المعرفة السياسية عن العلاقات الدولية. تبعاً لذلك، سعت الدويلة، في ظل هذه الهيمنة من الجيران، إلى توفير بعض الخيارات السياسية. في نهاية المطاف، ينبغي للدول الصغيرة إمّا أن تكون مجرد قاطرة، أو أن تعمل بتوازن. فالدوحة إما تعتمد على قدراتها الذاتية أو تحاول تغيير سياستها. هي تملك القدرة على المناورة.
لقد أجرت قطر تقويمات جديدة للعلاقات الدولية في عالم متعدد الأقطاب، عقب انتهاء حساب الحرب الباردة. هي لديها خيارات أخرى تناسبها كدولة صغيرة، مثل التحالفات مع المنظمات الدولية أو إعطاء نموذج عن القوة الوسطية.
لكن الإمارة اتّبعت تدابير في سياستها الخارجية، التي تعبّر عن صورتها الدبلوماسية المعروفة، يمكن وصفها بالملحقة والمتوازنة، وذلك عبر تحالفات ضمن المؤسسات الدولية.

مبادرات مفاجئة

أصبح النهج الجديد للسياسة الخارجية القطرية ناجحاً، منذ تولي الحاكم الحالي، الشيخ حمد آل ثاني، السلطة، سنة 1995، الذي عزّز السلطة الناعمة القائمة على الانفتاح والابتعاد عن الأصولية في البلاد.
بالنسبة إلى الإعلام، جاءت محطة «الجزيرة» كأول قناة عربية من نوعها، في ظل إعلام رسمي تقليدي. كانت بدايتها عام 1996. مع أنّ «الجزيرة» من حيث الشكل، قناة خاصة، لكنّها غالباً، ممولة من العائلة الحاكمة.
في وقت مبكر، بعدما تسلم الأمير حمد السلطة، أعلن سياسة جديدة للعلاقات مع دول الخليج، كذلك اتّبع توجهاً جديداً في علاقته بإسرائيل. في عام 1996، أقامت قطر وإسرائيل مكتباً للعلاقات التجارية بين الدولتين يقوم مقام السفارة. منذ ذلك الحين، أصبحت زيارات ممثلين تجاريين وعلماء إسرائيليين، (إلى قطر) طبيعية.
وباتت العلاقات التجارية مع إسرائيل قائمة، بعد انتخاب بنيامين نتنياهو، رئيساً للحكومة عام 1996، وذلك رغم معارضة بعض الدول العربية الأخرى. وبعد اندلاع انتفاضة الأقصى عام 2000 لم تغيّر قطر من موقفها هذا. بيد أنّ أول تغيير لها كان مع بداية حرب غزة عام 2008/2009، حينها جمدت الحكومة القطرية العلاقات على صعيد الممثليات الإسرائيلية.
في العلاقة مع إسرائيل، كانت قطر تقوم بدورها بوضوح على مسرح الأحداث: منذ لقاء وزير الخارجية القطري (ورئيس الوزراء حمد بن جاسم، ابن عم الأمير) نظيره الإسرائيلي في باريس عام 2003، سعى الأمير أكثر من مرة إلى أن يكون وسيطاً في النزاع في الشرق الأوسط. من إيجابيات ذلك، أنّ المواطنين القطريين من سكان الإمارة لم يشعروا، في الظاهر، بانعكاس محتمل (سلبي لهذه العلاقة) على سياسة البلد، كذلك لم تشعر الحكومة بالخوف من معارضة سياسية داخلية لسياستها.
بتوازن وعناية، بنت قطر قدرتها، في مقابل جهات تسعى إلى تعزيز قدرتها على المعارضة في المنطقة. هذه القدرة تجلّت في إظهارها استخدام وساطة ناجحة: وساطة لتأليف حكومة الوحدة الوطنية اللبنانية عام 2008، التي جنّبت البلاد العنف المتصاعد الذي كان يهدّد بحرب أهلية جديدة. ولاقت قطر كدولة عربية فريدة، قبولاً، كوسيط مستقل وحقيقي في لبنان؛ البلد المسمّى معتدلاً حيث عملت السعودية بوضوح مع السنّة.

إيران الغريبة

وبالنظر إلى العلاقات مع إيران، اتّبعت الدوحة طريقاً ميّزها عن دول مجلس التعاون الخليجي، اهتمّت، من خلاله، باستمرارية التواصل الجيد مع طهران. السبب هنا طبعاً ليس حقل الغاز الضخم العالمي، «حقل الشمال»، الذي تتشارك فيه الدولتان، وتتقدّمان على صعيد استغلاله، إذ اقتربتا من استخراج الغاز؛ بل تفوّق قطر على إيران في مجال التكنولوجيا المتعلقة باستخراج الغاز، وعلى صعيد توريد الغاز المُسال الى السوق.
هناك سبب واضح للدوحة يدفعها للتعاون مع طهران. على صعيد الوضع السياسي الداخلي في الإمارة، تعيش أقلية فارسية ذات وزن، يُخشى أن تتأثر بطهران. وأظهر أول إحصاء سكاني في قطر عام 1970، أنّ 18 في المئة من السكان القطريين كانوا خصوصاً فرساً. إلا أنّ الرقم تراجع اليوم بسبب هجرات العمل من الجنوب والجنوب الشرقي، فوصلت النسبة المئوية الى 10 في المئة، حسب التقديرات.
لهذا، كان من المدهش، دعوة قطر للرئيس الإيراني محمود أحمدي نجاد، لأول مرة، الى مؤتمر منظمة التعاون الخليجي (الدوحة 2007). كذلك أعربت الدوحة عن معارضتها لتشديد العقوبات الدولية الصادرة عن مجلس الأمن ضد إيران بسبب النزاع النووي. في موازاة ذلك، قام كلّ من رئيسي ووزيري الخارجية وممثلي البلدين بزيارات متواصلة. زار الأمير حمد طهران بين 2006 و2010 أربع مرات. زيارات أدت في شباط 2010 إلى توقيع اتفاق أمني للتعاون بين البلدين من شأنه ضبط الحدود ومكافحة تهريب المخدرات والاتجار بالبشر. وعلى مدى أبعد، سيُعلَن عن تبادل للممثلين التقنيين ومناورات عسكرية مشتركة، إضافةً الى الإعلان عن اتفاق جمركي، وهذا من شأنه بناء الثقة بين البلدين.
ومن اللافت نجاح قطر في تأمين القبول الإيراني للإمارة الصغيرة، رغم وجود قاعدة لسلاح الجو الأميركي في منطقة العُديد على أراضي الأخيرة.
ومعروف أن لإيران وقطر مصالح كبيرة، تسمح بتوفير مزاج إيجابي من خلال قنوات الاتصال الوافرة بينهما. لا تستطيع قطر بنفسها تحقيق نفوذ واسع في السياسة الداخلية من دون القيادة الإيرانية. كذلك تساعدها العلاقات مع سوريا أو حزب الله، لتكون لاعباً رصيناً مقبولاً.

التحفيز وحدود محاولات الوساطة القطرية

لماذا تجازف قطر عموماً إلى هذا الحد في العمل على حلّ النزاعات المعقّدة؟ ظاهرياً، تحقق المبادرات الدبلوماسية المثيرة للاهتمام، أهدافاً عديدة. في بادىء الأمر، تحصل قطر على علامة مميزة داخل مجلس التعاون الخليجي، وتعزز وضعها التنافسي في وجه البحرين، والإمارات والدول الخليجية الأخرى، التي تسعى إلى جلب الاستثمارات.
ضمن هذه الاستراتيجية، ارتضت قطر استضافة فعاليات دولية ضخمة، من مؤتمرات الى أحداث رياضية. كلّ ذلك من شأنه أن يساعدها على أن تصبح لاعباً عالمياً من أجل ضمان أمنها تجاه جيرانها.
أما السياسة الخارجية لقطر، فترجع في نهاية الأمر إلى الأمير وزير الخارجية ـــــ رئيس مجلس الوزراء حمد بن جاسم.
وبفضل وكيل الوزارة محمد الرميحي، الذي عيّنه وزير الخارجية للتنظيم والإعداد، نجحت الجهود الرسمية التي قامت بها الدوحة، كي تكون محل قبول كوسيط، لدى أطراف النزاع ككل.
بطبيعة الحال، تدرك قطر جيداً مدى جاذبيتها بالنسبة إلى معظم الأطراف في جملة أمور، هي: التمويل السخي، وقدرتها على استخدامه في مناطق الأزمات.
سواء في السودان أو اليمن ولبنان، أي البلدان التي توسطت فيها الإمارة وحيث كان هناك حافز لتحقيق شروط الوساطة، استثمرت قطر سخاءها لمواجهة الظروف السائدة في هذه البلدان في البنية التحتية التي تضررت نتيجة الصراعات على الأغلب.
ورغم تعاطف الولايات المتحدة مع قطر، ليس أقلها بفضل قاعدة العديد، فذلك ليس القضية الرئيسية، إذ إنّ الإمارة دخلت في نسج روابط مع «دول منبوذة» مثل إيران وسوريا.
وكشريك في جهود الوساطة الغربية في الشرق الأوسط، قدّر للدوحة أن تحل محل الغرب في نسج خطوط الاتصال مع هذه الجهات. وفي الوقت نفسه، يتعيّن على الغرب ألا يضع آمالاً غير واقعية بالنسبة إلى هذا البلد، فهو من ناحية مؤسساتية، ليس في وضع يمكّنه من العمل من دون دعم واسع النطاق في تطوير وحل النزاعات، وتنفيذها ورصدها.
وإضافةً إلى ذلك، ينبغي للشركاء الغربيين أيضاً، ضبط أنفسهم عندما يتعلق الأمر بمواقف دعم واضحة وخاصة تتحرك بها، ولا سيما في ما يختص بصدقية النخبة السياسية في البلاد، تجاه الأطراف المعارضة، كرأس مال قد يسهم في جر قطر الى سياسة المنطقة.

* أستاذة مساعدة في جامعة هامبورغ الألمانية وباحثة في شؤون قطر. نشرت هذه الدراسة على موقع معهد «غيغا» للدراسات الشرق أوسطية ومقره مدينة هامبورغ
(ترجمة معمر عطوي)