لم تُقرأ وثائق ويكيليكس بما فيه الكفاية بعد، ولو أنّ قراءتها الأولية تتيح الزعم بأنّ السياسة لم تعد كما نعرفها تماماً. فما قبل هذه الوثائق المسرّبة عن الدبلوماسية الأميركية هو غير ما بعدها. لقد أطلق جوليان أسانج ورفاقه رصاصة الرحمة على نمط محدّد من الدبلوماسية (السرية).


نمط شاع كثيراً في حقبة ما بعد الحرب العالمية الثانية. وشيوعه ذاك ارتبط بتوازنات القوى الدولية التي هزمت النازية وتسيّدت المشهد السياسي بعد أفولها. لكن المشكلة في هذا النمط أنّه صيغ ليعبّر عن توازنات مرحلية بين الاتحاد السوفياتي السابق وأميركا، لا عن توازنات عابرة للمراحل وغير مستندة إلى وقائع جيو ـــــ سياسية محدّدة. وهذا ما لم ترد الولايات المتحدة ومجتمعها الدولي فهمه. ونعلم اليوم مما سرّبه موقع ويكيليكس أيّ دبلوماسية تلك التي تنتهجها الولايات المتحدة تجاه الخصوم والأعداء على حدّ سواء. ذلك أنّ استمرار الدبلوماسية بين الدول على النسق ذاته الذي كان قائماً قبل زوال الثنائية القطبية أفضى إلى تجميد منطق الندّية البينية الذي كان معمولاً به سابقاً. فأي ندّية تلك التي تسمح لدبلوماسي أميركي من الدرجة الرابعة أن يقيّم شخصيات رؤساء دول حليفة للولايات المتحدة، أو أن يفصح عن تقدير شخصي (ذي طابع استخباري) لمدى تبعية هذا الرئيس أو ذاك لأميركا؟ (ماذا تسمّون التقييم الأميركي الذي أتى في الوثائق لشخصيتين متناقضتين، ساركوزي وأردوغان؟) من كان يتصوّر مثلاً، مرور تقريظ خبيث كذاك الذي خصّت به وثائق أطلسية ساركوزي، لو أنّ شخصية مناهضة للناتو كانت اليوم في الإليزيه بدل الرئيس الحالي؟ ماذا عن دومينيك دوفيلبان؟ أو حتى أوبير فيدرين؟ وفرنسا هنا ليست استثناء، فمعظم الدول الحليفة لأميركا داخل أوروبا وخارجها طاولتها سهام التحقير الأميركية. والمؤسف أنّنا لم نسمع من الدول المستهدفة بهذه السهام ردّاً واحداً حتى الآن، ردّاً يحفظ ماء وجه من يدّعي «السيادة» و«النديّة» ولو ضمن المعادلة الأطلسية. وحدها روسيا (وكذلك تركيا) «غير الحليفة» وغير الأطلسية فعلت ذلك وخرقت مسرحية الصمت الأوروبية. يبدو أنّ أوروبا الأطلسية لم تخرج من هول الصدمة بعد. فليتفضّل رفاق أسّانج إذاً بتجريعها مزيداً من المرارات الأميركية.
لقد أسهم منطق التزلّف الأوروبي للولايات المتحدة في إضفاء «مزيد من الشرعية» على نسق دبلوماسي غير شرعي أصلاً. ولم تفلح كلّ محاولات القوى المناهضة للحرب في وضع حدّ «لقوننة الدبلوماسية» أميركياً وتسخيرها للمصالح الأمبريالية في العالم، إلى أن ظهرت هذه المجموعات الافتراضية في فضاء الإنترنت. مجموعات ساءها كثيراً، على ما يظهر من أجندتها المعلنة، استباحة الولايات المتحدة لحقّ الشعوب المستعمرة في الحرية وتقرير المصير، فأخذت التسريبات تتوالى تبعاً لأجندة متدرّجة بدأت بأفغانستان والعراق، ولم تنته عند حدود المراسلات السرّية بين الخارجية الأميركية وقنصلياتها في العالم. والمراقب لنمط عمل هذه المجموعات الافتراضية يلحظ أنّ السياق التصعيدي لتسريباتها ليس معزولاً عن تلمّسها لفداحة الدمار الذي أحدثته العجلة الأميركية في مسارح حروبها المتنقلة. فمن أفغانستان وباكستان أولاً حيث الحصاد اليومي (الجوّي تحديداً) لعشرات الضحايا المدنيين بحجّة وبغير حجّة، مروراً بالعراق حيث «تنسحب جيوش الإمبراطورية قريباً» تاركة وراءها سلطة هزيلة تقتات من التبعية العمياء لطهران وواشنطن، وصولاً إلى فلسطين واليمن ولبنان والصومال والسودان وأفريقيا وأميركا اللاتينية و... إلخ، حيث يعيث جواسيس أميركا وعملاؤها فساداً في تلك الدول تحت سمع الديكتاتوريات الحاكمة وبصرها. ديكتاتوريات سلالية نصّبتها الولايات المتحدة لتكون رقيباً (مجرد رقيب منزوع الأسنان) على أكبر عملية نهب تجري في القرن الحادي والعشرين.
ماذا ينتظر أحرار العالم أكثر من ذلك حتى يتحرّكوا؟ ربما تشغلهم اليوم الأزمة الاقتصادية الخانقة في بلدانهم عن شؤون المستعمرات الأميركية الجديدة. لا بأس. فليشغلوا بأزمتهم قليلاً. لكن عندما يفرغون منها سيجدون أنّ ألوف العناصر الشابة الفتية والنهمة إلى المعرفة (المناوئة للسلطة) قد سبقتهم الى التهام الوثائق التي سرّبها شبان ويكيليكس وشاباته. وعندها لا بد من أن يعودوا بالذاكرة قليلاً الى الوراء. فما يحدث اليوم من انتفاضة ضد الإمبراطورية الأميركية سبق أن اختبرته إمبراطوريات «مماثلة» في الماضي. إمبراطوريات أسهم «آباء جيل ويكيليكس» في تصديعها. هكذا يستكمل الأبناء ما أنجزه الآباء. ولمن لم تنعشه الذاكرة بعد نقول: تذكّروا انتفاضة الشباب المجري على الستالينية في عام 1956، وكذلك ربيع براغ وثورة الطلاب في فرنسا ومهرجان وودستوك في أميركا في عامي 1968 و1969 و... إلخ. قد يجادل البعض بأنّنا نبالغ قليلاً في تقديرنا لحجم فضيحة ويكيليكس. لقد قيل هذا الكلام سابقاً عن كلّ التحولات المفصلية التي غيّرت وجه العالم. ومن قال ذلك يومها أصبح في خبر كان، إما لأنّه كان يسند سلطة آفلة ويعاند فعل الصيرورة، أو لأنّ سذاجته ما كانت لتستوعب حجم التغيير المقبل على السلطة. في كلتا الحالتين نحن أمام نموذج مثالي للفرد الرجعي الذي فقد انتماءه الحرّ للفردية ولم يوفّق في المقابل في اختيار الجماعة التي انتظم فيها. هل هذا هو المصير الذي ينتظر اليوم من يتخلّف عن اللحاق بركب المناهضين الجدد للهيمنة الأميركية؟
حتى الآن لم يتبلور جواب واضح عن سؤال معّقد كهذا. لكن ما يظهر إلى العلن من حراك الأفراد والجماعات الممتعضة من العجرفة الأميركية يوحي بأنّ أمراً ما يلوح في الأفق. ويبدو أنّ هذا الأمر لم يكن واضحاً بما فيه الكفاية للمجتمع الدولي المتأمرك حينما استأنف نسقاً دبلوماسياً من مخلّفات الحرب الباردة. لو كان واضحاً فعلاً، لأخذت الولايات المتحدة احتياطاتها سلفاً، وجنّبت نفسها مصيراً مماثلاً لذاك الذي تقبع فيه اليوم، هي ودبلوماسيتها الآفلة. وهذا يظهر مجدداً حدود القوة التي يمكن لدولة عظمى أن تمارسها عندما تستنزف على نحو كامل داخلياً وخارجياً.
والخلاصة التي يمكن الخروج بها من درس ويكيليكس تفيد بأنّ خيال من هندسوا نظام الأحادية القطبية الآفل لم يكن جامحاً بما يكفي ليضع حدّاً لأمثال أسانج عندما يخرجون عن السيطرة. وهذا من حسن حظنا، لأنّ الإمبراطورية الأميركية لم تعوّدنا هذا القدر من الغباء في التعامل مع من يبصق في وجهها. وما يحصل مع مؤسس موقع ويكيليكس اليوم من سيناريوهات مفبركة يشبه إلى حدّ بعيد نمط الدعاية الهوليودية التي كانت تصاحب المجهود الدبلوماسي والحربي الأميركي في مواجهة الأعداء. من منّا لا يذكر حقبة التنظير لحرب الجواسيس بين أميركا والاتحاد السوفياتي السابق في السبعينيات والثمانينيات وما تخللها من أبلسة لصورة الروس في الوعي الجمعي؟
اليوم تستعيد الولايات المتحدة هذه الخبرة الشعبوية لتوظّفها على نحو مغاير في حربها على كابوسها الجديد: جوليان أسانج ورفاقه الافتراضيين. وافتراضيتهم هذه هي ما يجعل من هذه الحرب محسومة سلفاً، فالخبرة الأميركية غير قابلة للصرف إلا في مواجهة خصوم تقليديين ومتصلّبين دولتياً مثلها (الاتحاد السوفياتي السابق وكوبا وكوريا الشمالية وإيران). أما الخصوم الآتون من خلفيات راديكالية مناوئة لنسق العلاقات الدولية القائم على التكاذب والإملاء فلن تجدي معهم كلّ الخبرات السابقة، وسيخرجون من المعركة كما دخلوها، بأقلّ خسائر ممكنة. وعلى من يريد أن يستأنف النّسق الدبلوماسي أعلاه من دون مراجعة تذكر أن يفكّر جيداً في أولئك الذين تركهم أسّانج وراءه ومضى إلى حريته.
* كاتب سوري