يمكن وضع دراسة عامر محسن («قناة» السويس الجديدة: من التدشين إلى التتويج، «الأخبار»، 6 آب 2015) تحت ثلاثة عناوين رئيسية: أولاً، اللاجدوى الاقتصادية لمشروع قناة السويس الجديدة. ثانياً، تطابق شخصية السيسي مع شخصيتَي الخديوي اسماعيل وأنور السادات. ثالثاً، تنصيب احتفالي للسيسي كخديوي جديد لمصر. وسنناقش بعض ما ورد في هذه الدراسة.


مشروع قناة السويس الجديدة

لقناة السويس، كممر مائي دولي للتجارة البعيدة المدى، أهمية اقتصادية وسياسية وعسكرية. ومنذ أن تم شق هذه القناة، قامت من حولها صراعات دولية للسيطرة عليها، وشُنت من حولها حروب عديدة. ولهذا التاريخ المديد من الصراعات ذكريات عديدة، يختلط مرها بحلوها، وانتصاراتها بهزائمها. ولأي مشروع يمسّ القناة وأحواضها رجع صدى يثير الكثير من الانفعالات، كما من الأحزان والآمال؛ ليس لدى جماهير مصر فقط، بل لدى الشعب العربي بشكل عام.
ونحن من جيل واكب ثورة الضباط الأحرار في مصر، وعاش نضال شعبها العربي لطرد المحتل البريطاني عن القناة، وعاش تأميم عبد الناصر للقناة بعد أن رفض البنك الدولي، بقيادته الأميركية، المشاركة بتمويل السد العالي، وواكب العدوان الثلاثي، كردٍ على تأميم القناة، كما واكب ردود الفعل العربية والإقليمية والدولية على هذا العدوان. نحن من جيل عاش أياماً سوداء في حزيران 1967، حين احتل الجيش الصهيوني، بقيادة خلفية أميركية، الضفة الشرقية لقناة السوس، وبنى عليها «خط بارليف»، الذي عُدّ من أهم وأمنع خطوط الدفاع العسكري، وما نتج من هذا العدوان من احتلال كل الأرض الفلسطينية، ومحافظة القنيطرة، وشبه جزيرة سيناء، وإغلاق قناة السويس، وتهجير أكثر من مليون مواطن من مدن القناة، قبل بدء حرب الاستنزاف التي شنها الجيش المصري، والذي أعاد عبد الناصر بناءه، بدعم كامل من الاتحاد السوفياتي. فقد اندفع أكثر من 200 ألف شاب جامعي للتطوع في الجيش_ ومن دون رواتب_ لمدة سنتين، لتحرير أرض مصر. واستطاع هؤلاء الجامعيون إدخال وعي جديد إلى صفوف الضباط والجنود، وردم الهوة التي بناها الاستعمار في دول العالم الثالث بين صفوف الضباط وصفوف الجنود. واستطاع هذا الجيش إسقاط خط بارليف خلال ساعات، لكن قيادة السادات وضعت حدوداً لهذا النصر، ميدانياً وسياسياً، وحولته إلى أداة لـ«تحريك» عملية المساومة، ما أدى إلى فتح قناة السويس، ووضع سيناء تحت «الاحتلال» الأميركي، وبشروط «إسرائيلية»، وأوصل إلى كامب ديفيد وتفكيك النظام العربي.
إن احتفالية تدشين قناة السويس الجديدة، أو مهما كانت تسميتها، لا تذكرنا بالخديوي إسماعيل ونابليون الثالث ودي ليسيبس، الذي حفر القناة بسواعد ملايين المصريين، بل تذكرنا بنضالات شعب مصر، الذي حفر القناة وقاتل لتحريرها والدفاع عنها؛ تذكرنا بدماء الشهداء من مصريين وعرب الذين هبوا للدفاع عنها ضد الغزاة، وتذكرنا بأيام الكبرياء والرؤوس المرفوعة، والسواعد التي امتشقت السلاح في وجه الأعداء، بالأناشيد المستنهضة للهمم والداعية للنضال، أناشيد «الله أكبر» و«دع سمائي» و«بهية»، ولا تذكرنا بـ«أوبرا عايدة» ويخت الخديوي إسماعيل. إن هذه الذكريات، ورجع صدى أيام النضال، هي التي دفعت جماهير مصر الضعيفة مادياً إلى أن تسارع لتمويل مشروع قناة السويس الجديدة، بدل اللجوء إلى القروض الخارجية، أو الاستدانة من المصارف، وهي التي دفعت ملايين المصريين للاحتفال بإنجاز هذا المشروع خلال سنة واحدة، بدلاً من ثلاث سنوات، واحتلال الساحات في كل المدن المصرية، خصوصاً في مدن القناة، وليس «البروباغاندا» التي أطلقها النظام.


للدلالة على أهمية الوقت،
نذكّر بالمشروع «الإسرائيلي»
البديل من القناة



وتذكرنا قناة السويس بازدهار العديد من المدن والحواضر العربية التي نشأت على «طريق الحرير»، أي طرق التجارة البعيدة المدى بين شرق آسيا وجنوبها من ناحية، وأوروبا من ناحية ثانية. تذكرنا بازدهار بعض المدن في أوساط الصحاري، مثل تدمر ومكة والبتراء، كما في دمشق والاسكندرية، وغيرها العديد من المدن، وتذكرنا اليوم بازدهار سنغافورة ودبي، وبأهمية قناة السويس على هذه الطريق، وإمكانية الاستفادة منها عبر المحاور الثلاث لمشروع تطوير القناة، والتي يمثل ما أُنجز منه المحور الأول.

الجدوى الاقتصادية للمشروع

يقول السيد محسن إن القناة الجديدة ستخفض وقت انتظار السفن من 18 ساعة إلى 11 ساعة، وهذه الساعات السبع التي يتم توفيرها هي، باختصار، مجمل الفائدة العملية من مشروع القناة؛ وهو بذلك يُسقط المحورين التاليين في إطار تقييم أهمية المشروع ككل. والمحاور الثلاثة متكاملة ومتساندة على الصعيد الاقتصادي.
فالمحور الثاني يهتم «بتوفير الخدمات البحرية وتطوير المنطقة المحيطة بالقناة»؛ أما المحور الثالث، فيتضمن «توفير الخدمات اللوجستية على جانبي المجرى الملاحي (بحيث) تتحول القناة من مجرد مجرى مائي إلى مركز تجاري وصناعي تتوافر فيه خطوط التجميع والتعبئة والتغليف، كما يتضمن الصناعات التصديرية».
ويقلل السيد محسن من أهمية الساعات السبع التي يختصرها المشروع من وقت مرور السفن. قديماً قيل إن الوقت من ذهب؛ وتزداد أهمية الوقت مع تقدم العلوم والاتصالات والمواصلات. وتتجه الصناعات في البلدان المتقدمة إلى اختصار المخزون stock من مدخلات الإنتاج، أو حتى إلغائه، توفيراً لرؤوس الأموال المجمدة في عملية التخزين، وذلك في إطار السعي لتنمية القدرات التنافسية.
وللدلالة على أهمية الوقت وإمكانية اختصاره عند عبور القناة، نذكّر بالمشروع «الإسرائيلي» البديل من القناة. في 28 شباط 2012، أعلن وزير المواصلات الصهيوني، كاتس، عن «عطاء» لنقل ميناء إيلات «الإسرائيلي» في خليج العقبة إلى عمق 4 كيلومترات داخل الصحراء، وربطه بخليج العقبة بقناة عريضة، بطول 4 كيلومترات أيضاً. وسيتم ربط هذا الميناء الجديد بمرفأ «تل أبيب» بخطوط حديدية. وتمت تسمية المشروع بـ«البوابة الجنوبية». وسيكون هذا المشروع بديلاً من قناة السويس، ومنافساً لها، لنقل البضائع من البحر الأحمر إلى البحر المتوسط، وبتوفير ساعتين من الوقت، مقارنة بالنقل عبر قناة السويس. وسيكلف حفر هذه القناة، وإنشاء المرفأ الجديد، 13 مليار شيكل (3.5 مليار دولار). وقال كاتس إن «دولاً عديدة أبدت اهتماماً بهذا المشروع الكبير، من بينها الصين والهند والولايات المتحدة، فضلاً عن شركات أخرى من كل أرجاء العالم». وأجهضت قناة السويس الجديدة، باختصارها مدة عبور السفن بسبع ساعات، المشروع «الإسرائيلي» الطامح لاختصار مدة العبور بساعتين. وبالقياس، وللدلالة على أهمية اختصار الوقت والكلفة في التجارة الدولية، تعمل حكومة بنما، وبعد استعادتها القناة من أميركا عام 1999، وبناءً على دراسات الجدوى، على تعميق القناة وتوسيعها، بكلفة مرتفعة جداً، لاستعياب السفن الكبرى، القادرة على حمل 12 ألف حاوية (بدلاً من 5 آلاف حاوية حالياً)، ليصبح نقل الحاويات من مدينة «غوانغ دونغ» الصينية، بحراً إلى لوس أنجليس، ثم بالقطار إلى نيويورك، أكثر كلفة من نقلها عبر قناة بنما، بحسب مجلة «ذي إيكونوميست»، بتاريخ 28/1/2012.
وتتعدد مشاريع تسريع نقل البضائع من الصين والهند، وإليهما، عبر خليج البنغال. فالصين تبحث عن الطرق التي تتخطى فيها مضيق ملقة المزدحم جداً، بمد أنابيب غاز ونفط عبر ميانمار، من مرفأ Sittwe إلى الحدود الصينية، ثم إلى عاصمة مقاطعة «أونان» الصينية، وذلك توفيراً للوقت والمال. وتعمل الصين، كأكبر منتج ومصدر للسلع في العالم (منذ عام 2010) على تنفيذ مشاريع نقل عملاقة، عبر إحياء «طريق الحرير» وتفرعاته، من وسط آسيا إلى بحر العرب، وما بينهما. وتمثل قناة السويس إحدى الممرات الأساسية لطريق الحرير. وتبدي الصين حماسة كبيرة للمشاركة في المرحلتين الثانية والثالثة في مشروع قناة السويس الجديدة؛ وتتقدم الهند على الطريق ذاتها.
ومع انزياح الثقل الاقتصادي العالمي من الغرب الأوروبي الأميركي إلى شرق آسيا وجنوبها (الصين واليابان وكورية الجنوبية واندونيسيا والهند)، حيث من المتوقع أن يكون معدل النمو الاقتصادي لهذه الدول حوالى 4% سنوياً، على الأقل، رغم الركود الاقتصادي العالمي، وحيث تشكل السوق الأوروبية أكبر سوق لصادرات تلك الدول مجتمعة، فإن طرق التجارة بين شرق آسيا وجنوبها من ناحية، وأسواق أوروبا وبعض أفريقيا من ناحية أخرى، ستشهد نمواً أسرع من معدل نمو التجارة الدولية. وسجّل نمو التجارة الخارجية في عهد الليبرالية الجديدة وفتح الأسواق، وفي ظل التطورات التقنية والعلمية، وتصدير العديد من الصناعات إلى خارج البلدان الرأسمالية الكبرى، سعياً وراء الأجور المتدنية والضرائب المنخفضة، نمواً بمعدل ضعف نمو الناتج الاقتصادي. وإذا كانت أزمة النظام الرأسمالي الدورية البنيوية قد قلصت معدلات نمو التجارة الدولية، فمن المنتظر أن يتضاعف معدل نمو هذه التجارة بعد خروج النظام من أزمته، أو بعد تجاوز النظام السائد، والذي تقوده وتهيمن عليه الولايات المتحدة الأميركية.
ويتم بناء المشاريع التحتية الكبرى لمدى طويل من السنين، وليس لسنوات معدودات. فالقدرة الاستيعابية القصوى للقناة يجب أن تلبي طلب العبور فيها بعد عقود. هكذا يتم التخطيط لبناء القدرات الاستيعابية للمطارات والموانئ والسكك الحديدية، كما للجسور والطرق الكبرى بين المدن وفيها. وبالتالي، فإن العمل على مضاعفة القدرة الاستيعابية لقناة السويس، والفائضة عن الطلب الحالي، أمر طبيعي وضروري.
أما الجدوى الاقتصادية للمرحلة الأولى من مشروع القناة، ولو لم نقم أي حساب للمراحل التالية، فهي مربحة جداً على الصعيد المادي. وحتى لو افترضنا أن التقديرات المستقبلية لإيرادات القناة مبالغ فيها، وأن الركود الاقتصادي العالمي هو أعمق وأطول مما تقدره مراكز الدراسات والمنظمات الدولية، وأن هامش الخطأ في هذه التقديرات يقارب الـ50%، فإن المشروع سيكون مربحاً جداً.
إن معدل المردود للتوظيفات في قطاعات الإنتاج في العالم، وطيلة عقود سابقة، هي في حدود 6%. وإذا افترضنا أن الدخل من القناة سيرتفع، ليس بـ8 مليارات دولار عما كان عليه، بل إلى نصف هذا المبلغ، فإن مردود التوظيف الجديد سيعطي، عام 2023، ما يقارب 9 أضعاف معدل المردود العالمي للتوظيفات، أي 50%.
أما الفائدة المرتفعة على سندات الدين لتمويل حفر وتوسيع القناة، وقدرها 12%، فهي فائدة منخفضة في حقيقتها. فكلفة الأموال تقاس بالفائدة الحقيقية، وليس بالفائدة الجارية، أي بمعدل الفائدة الجارية ناقص معدل التضخم الذي يحوم حول 12% في مصر، أي أن الكلفة الحقيقية للتمويل يحوم حول الصفر. ثم، ولو افترضنا أن معدل التضخم في مصر سينخفض إلى حدود الصفر، وترتفع الفائدة الحقيقية إلى 12%، فإن مردود التوظيف سينخفض إلى حوالى 7 أضعاف المعدل العالمي لعائد التوظيف، وهي نسب يسيل لها لعاب أكبر الشركات والبنوك والمؤسسات في العالم، ومهما ارتفعت المخاطر على هذه التوظيفات. فالتوظيفات العالمية اليوم في أسهم «الخردة» كانت حوالي 12%، وانخفضت كثيراً، إلى حدود 6%، مع تراكم فائض السيولة، نتيجة سياسات التيسير المالي quantitative easing للدول الرأسمالية الكبرى، وعلى رأسها أميركا.
ثم إن المردود المرتفع لسندات الدين هذه سيذهب معظمه إلى جيوب الطبقات الوسطى من المصريين، ويرفع من قدراتهم الشرائية، أي سيعيد توزيع الناتج عبر السياسة المالية، لمصلحة هذه الفئات، ويضيق الفروقات الطبقية في مصر، ولو بمعدلات بسيطة، ولن يذهب إلى الخارج ليصبح عبئاً على الاقتصاد الوطني.
في مصر «دولة عميقة»، ولا يقرر المشاريع فيها شيخ أو أمير نُصب على عرش بئر نفط. وفي مصر أبرز الخبراء والاقتصاديين العرب، وقد توزع بعضهم كأساتذة على أهم جامعات العالم ومؤسساته الاقتصادية الدولية. ولخبراء مصر تراث في التخطيط الاقتصادي، وأحد أبرز هؤلاء سمير أمين، الذي لا يحتاج لشهادة من أحد في قدراته وأخلاقياته والتزامه الفكري، ودفاعه عن مصالح الشعوب المستضعفة في العالم. ولكن السيد محسن يسارع إلى التهجم على سمير أمين لأنه أثنى على مشروع قناة السويس الجديدة، وقال إن المشروع قد بُني بتمويل مصري وطني، وأن جيش البلاد «أنجز المشروع بالكامل، تصميماً وإدارةً وتنفيذاً». ويعلق السيد محسن على أقوال سمير أمين، فيقول: «الموضوع لا يقتصر على البروباغاندا التلفزيونية، فقد أُثيرت لمديح القناة شخصيات مهمة، كالمفكر سمير أمين الذي أثنى على المشروع». لم يشارك سمير أمين في السابق في أي «بروباغاندا»، أي في كلام مضلل للناس وغير صحيح. وهذا اتهام لا يضير سمير أمين، ولكنه غير لائق، وغير صحيح، ولا يضير إلا قائله.
* كاتب لبناني