غالب ومسيطر. هكذا لخّص الشيخ إجابته عن سؤال حول شرعية نظام مبارك. تتصور المعارضة أنّ تزوير الانتخابات سحب الشرعية. والمخضرمون في بناء الدولة يتصورون أنّ مبارك يبحث عن شرعية ما بعد تموز (١٩٥٢) وتشرين (١٩٧٣)... وأنّه حتى الآن لم يجدها.


الشيخ لخّصها. قال لهم إنّه نظام غالب ومسيطر، لذا يجب قتل البرادعي لأنّه يدعو الى العصيان. السلفيون وحدهم إذاً، يعرفون النظام ويرون قلبه ونواته الصلبة.
أدرك السلفي بعقله الغارق في الماضي، حقيقة نظام أخرجه من الكهوف ليكون جناحه الديني: في مواجهة الإخوان المسلمين (ينافسهم) والأقباط (يخيفهم)، والآن ضد المختلفين مع النظام.
يحرّم السلفي الخروج على الحاكم، ويرى المعارضة ردّة عن الإسلام توجب القتل. هذه شرعية الغالب والمسيطر، في قمة تطرفها المؤمن بالعسكرية والانتصار الديني.
الشيخ لم يعد غريباً عن الشاشات. صورته مفارقة للعصر، لكنّها مع الخلطات العجيبة في الصور. أصبح الشيخ جزءاً من الصورة، من الشرعية، من تكوين دولة « تكاد أن تكون» حديثة.
شرعية الدولة التي «تكاد أن تكون»، لها وجه دائم وخشن، هو الوجه العسكري الذي يقوم على اقتناص السلطة. المقتنص يتسيّد، لكنّه يحتاج الى قناع سياسي للشرعية. تغيرت أقنعة الدولة السياسية، لكن نواتها عسكرية. مبارك يعيش أزمة شرعية / قناع لا شرعية سلطة. إنّه غالب ومسيطر. لديه أقنعته المتعددة، تموز وتشرين، أي الثورة والحرب، لكنّه يفضّل أن يكون قائد التحوّل الديموقراطي، صانع الحرب بضربته الجوية، وابن الثورة بكل قيمها المنتمية للفقراء.
خلطة شرعيات، تغطّي القلب الخشن وتمنحه طراوة تعيش عليها معارضة، وإعلام، ونظريات سياسية، بينما النظام وحده بعيد عن اللمس، في قداسة تشبه دولة الفراعنة، والخلافة في الدولة الإسلامية.
الدولة هي نحن. إيمان مطلق يربط الحياة وسر الوجود باستمرار الدولة رغم شكلها الهجين، ورغم أنّها أصبحت الرئيس، والرئيس فقط. تهتز البلاد كلّها عندما يزوره المرض وتتكسر المؤسسات تحت رغبته. استمرار الرئيس هو الشرعية الوحيدة. هو صاحب البلد ويفرض وجوده بالقوة ويمنح عطاياه لمن يريد. استمراره أقوى من كل شيء.
الدولة أب متعال، حنون، وقاس، وخالد بأبوّته الى أن تقرر إرادة عليا. هذه هي الصورة الأصلية، تتغيّر ألوانها، لكنّها تبقي الوعي العمومي.
يقف النواب في مجلس الشعب، يطالبون الرئيس ويمدحونه، كما فعلوا مع كلّ حاكم من الملك الى الرئيس. والرئيس «يداعب» الشعب، ويمرر غضبته، ويطحن منافسيه، في استعراض كامل.
يقترب مبارك من تحقيق أرقام قياسية في الجلوس على المقعد، ينافس بها محمد علي ورمسيس الثاني والمستنتصر بالله. وهو يؤمن إيماناً حقيقاً بأنّه منقذ مصر لحظة صعوده الى قصر الرئاسة بعد اغتيال سلفه السادات، ومنقذها الآن إذ لا بديل إلّا هو.
الاستعراض هنا أصبح خطراً ومربكاً للمتفرجين وحدهم. السلطة عصبية وتتصرف بفطرتها المدافعة عن الغلبة والسيطرة.
صدمت المعارضة عندما خلعت الدولة قناعها فجأة، وعادت الى مركزها الصلب. واستعادت بعضاً من رشاقتها عندما أخرجت من جرابها لعبها التقليدية، منها عداوتها لإسرائيل (التي تتجسس وتنشر الفتن بين المسلمين والأقباط، وتدير أسماك القرش بالريموت كنترول)، وحبها لشقيقاتها (تدافع عنهم في مواجهة العدو القديم). وجه خارجي حنون، يعادل الوجه العنيف في الداخل.
تربك رشاقة الدولة متفرجيها. خاصم هؤلاء من يتعاملون معها على أنّها أول العالم وآخره. لا يسعون الى البناء خارج أراضيها، ولا يهمهم إعادة بناء بنيتها التحتية، قبل الحديث عن تغيير رأسها.
يتقن الرئيس مبارك الحفاظ على موقعه. لا يفتح صدره مثل سابقيه ويسعى الى تغيير العالم والجلوس على قمّته. لا يتطرّف إلا عندما يقترب أحد من «غلبته وسيطرته»، لكنّه يترك مساحة للعب والتسلية. هذه نظريته عن السياسة، لعب وتسلية، بعيداً عن أروقة الحكم والسلطة. ولم تأت عابرة سخريته من أصحاب فكرة البرلمان الموازي، وعندما قال لهم: «خلّيهم يتسلّوا»، كان يطلب منهم العودة الى موقعهم الذي تصوروا أنّهم غادروه.
يترك النظام الملعب أيضاً لمن يريد أن يغنّي البرنامج الكامل للأناشيد الوطنية والقومية والعروبية والشقيقة الكبرى. كلّه موجود «والجميع يلعبون»، لكن تحت غلبته وسيطرته. وربما تكون ميزته الكبرى أنّه أتاح بطبيعته الشخصية فرصة لتكسير الصور المقدسة للحاكم.
تكسير لا يزال هو فرحة المعارضة الوحيدة، فأغلبها يشبه الدولة و«يكاد أن يكون...».