محمود عبّاس ومحمد دحلان على خلاف. الخبر لم يعد سرّاً وباتت تفاصيله منتشرة على نطاق واسع في الداخل الفلسطيني وخارجه، لكن هذه التفاصيل تحمل الكثير من المفارقات التي لا بد من التوقّف عندها لتبيان كيفيّة إدارة القادة الفلسطينيين للعلاقات الداخلية التي تحكمها مصالح شخصيّة لا تجتمع تحت سقف «القضيّة الوطنية»، هذا إذا كان هناك مكان لهذا السقف في حسابات الربح والخسارة، وهي الحسابات التي تدار على أساسها السياسات.

محمود عبّاس ومحمد دحلان شريكان بكل ما للكلمة من معنى. الشراكة ليست وليدة اليوم، بل عمرها ما يزيد على عشر سنوات. مرت بالكثير من المراحل والتجاوزات التي ارتكبها دحلان، لكنها كانت دائماً تحظى بتغطية من الرئيس الفلسطيني الذي لم يكن يرضيه إغضاب «الرجل القوي» في حركة «فتح»، ولا سيما أنّ الاثنين يعيشان على خطّ متناغم منذ تحالفهما الشهير لتجريد الزعيم الفلسطيني ياسر عرفات من صلاحياته.
من الممكن استذكار بعض مراحل العلاقة والتجاوزات التي لم تستدعِ تحرّكاً من أبو مازن لمساءلة مستشاره للأمن القومي (في حينها). ولنضع جانباً ما ذُكر عن اجتماع دحلان مع مسؤولين إسرائيليّين للتنسيق لاغتيال عرفات، وهو ما قاله فاروق القدومي. لنضعه جانباً على اعتبار أنّ محمود عبّاس كان على خط التنسيق نفسه في هذه القضية، لذا فإن أيّ محاسبة لأبو فادي كانت ستصل إلى رأس أبو مازن. وعلى هذا الأساس فالقضيّة حُفظت ولم تطرح فيها أيّ تساؤلات، ولم تُطلب الوثائق ولم يُفتح تحقيق، وبقي دحلان محصّناً وازداد نفوذاً بعد المؤتمر السادس لحركة «فتح» الذي عُقد في بيت لحم، حيث بات له رسميّاً تياره الخاص الذي يناكف به (في تلك المرحلة) مناهضي حليفه أبو مازن.
وقبل ذلك كان واقع الانقسام الفلسطيني الذي كرّسته عمليّة الحسم العسكري لـ«حماس» في قطاع غزّة. لا براءة لأحد في هذا الواقع، لا «حماس» ولا «فتح»، لكن لا بد من الإشارة إلى الدور الريادي الذي أدّاه دحلان في تكريس الوضع الانقسامي رغم توقيع اتفاق مكّة في شباط 2007. دور كان بتمويل وتحريض من المنسق الأميركي كيث دايتون، ومن دون شك بعلم محمود عبّاس، الذي لم يكن يحرّك ساكناً لضبط عناصر أمن شريكه واستفزازاتهم.
واقع الانقسام، وهرب دحلان قبله من القطاع ثم عودته إلى الضفة الغربية، قيل إنه حظي بتأنيب وعقاب من محمود عباس. الأمر بقي في إطار القول، وكان سببه حينها الامتعاض من عدم قدرة «الفتحاويين» على مواجهة «الحمساويين» والصمود أمامهم. في كل الأحوال القول لم يصل إلى الفعل، وعاد دحلان إلى الظهور بقوّة على مسرح الضفة الغربية، وصولاً إلى مؤتمر «فتح» الذي دخل بعده إلى اللجنة المركزية للحركة وتسلّم مفوضيّة الإعلام فيها.
هذه أمور سياسية عامة تسرّبت إلى العلن في الفترة الماضية، غير أن الكثير من الخفايا لا تزال في إطار النميمة السياسية، ومعظمها يتعلّق بالثروات الظاهرة والباطنة لدحلان، وغيره من القادة الفلسطينيّين. ثروات لم تجد، في الفترة الطويلة الماضية، من يسأل «من أين لك هذا؟». من شرائه بيت رشاد الشوّا في غزة بـ 600 ألف دولار إلى امتلاكه منزلين في الضفة وعمان، وما حكي عن شرائه فندقاً في دبي وشراكته في ملكيّة تلفزيون «فلسطين الغد»، وغيرها من المعطيات التي كانت تسمح بفتح تحقيق مالي مع محمد دحلان، الذي يتحدّر من أسرة فقيرة في قطاع غزّة. لكنه على غرار غيره من القادة الفلسطينيّين الكثيرين، نهل دحلان من «مغارة» السلطة على مرأى ومسمع، وبمشاركة، حرّاسها.
اليوم فقط تذكّر عبّاس أن يسال عن ثروات دحلان، لماذا؟ الإجابة تأتي من كل من بات على دراية بالوضع الداخلي: «دحلان يحرّض على نجلي أبو مازن واستفادتهما من سلطة والدهما لتكديس ثروات». عند الوصول إلى الشأن العائلي لا مجال للمسامحة بالنسبة إلى عبّاس، فهو مستعدّ لأن يغضّ الطرف، وقام بذلك فعلاً، عن كل الانتهاكات للمشروع الوطني والمال العام الفلسطيني، لكنه سيقف سدّاً منيعاً أمام محاولات تجاوز «الخط الأحمر» الأسريّ.
«خط أحمر» فُتحت على أثره كل الملفات، وانفضت الشراكة، ولو مؤقّتاً، مفسحةً المجال أمام مساءلات قد لا تتوسّع كثيراً، ولا سيما أنها قد تكون مثل أحجار الدومينو. أحجار تطاول أعلى الرؤوس في «شركة السلطة المساهمة».