تواصل إسرائيل مناوراتها العسكرية على الحدود اللبنانية. أنهى جيشها إحدى أوسع هذه المناورات مساء الخميس الماضي. تضمّنت المناورات الأخيرة هذه «محاكاة حرب» ضدّ حزب الله في لبنان. شارك في التدريب لواء «هناحال» الذي يضمّ الجنود اليهود المتديّنين، ولواء المدرّعات 401. وقد نقلت صحف يوم السبت الماضي الكثير من التفاصيل عن المناورات والتدريبات وتقدّم مستوى جهوزية الجيش الإسرائيلي لشنّ حرب على حزب الله، أي على لبنان.

هكذا بكلّ بساطة إذاً، يجري تكرار إعلان أنّ حكومة إسرائيل، تواصل المناورات والاستعدادات لشنّ عدوان على لبنان، قد يتطوّر ليتحوّل حرباً إقليمية تستهدف أيضاً، سوريا وإيران. ثم بعد ذلك، ومرّة تلو الأخرى، يمرّ هذا الخبر كأنّ شيئاً لم يحصل وأمراً خطيراً لا يُدَبّر.
في تكرار هذا الإعلان استهدافات عديدة. نتوقف هنا عند أحدها، وهو الأخطر من الناحية السياسية والذهنية: إنّه تكريس حق إسرائيل في فرض أولوية المحافظة على أمنها بكلّ الوسائل، وخصوصاً الأمنية والعسكرية منها.
ما يحصل من تهديدات ضدّ لبنان الآن، سبق حصوله ضدّ إيران ارتباطاً بأزمة ملفها النووي، وسبقت ممارسته عملياً ضدّ سوريا من خلال قصف الطيران الإسرائيلي موقعاً في دير الزور بزعم أنّه يتضمّن منشأة نووية سورية. هذا دون أن ننسى قصف المفاعل النووي العراقي قبل أكثر من عقدين من الزمن.
إنّنا هنا إذاً، بإزاء محاولة تكريس معادلة تعطي إسرائيل مشروعية كاملة لاستخدام القوة حيال خصومها عندما ترى ذلك ضرورياً. ليس هذا فقط، بل إنّ إسرائيل تسعى إلى أن تضفي على هذه المعادلة طابعاً دولياً. والمقصود بذلك أنّ إسرائيل تسعى إلى خلق قناعة لدى الرأي العام الدولي، بأنّها إنّما تفعل ذلك باسم الشرعية الدولية، ونيابةً عنها وحفاظاً على السلام في العالم!
لا يحصل هذا الأمر من خلال الجهود الإسرائيلية وحدها، فالولايات المتحدة الأميركية خصوصاً، والغرب الاستعماري عموماً، كانا دائماً حاضريْن لدعم السياسات العدوانية التوسّعية الإسرائيلية. ولقد بلغ هذا الأمر ذروته مع اعتماد إدارة بوش الابن مشروع إقامة «شرق أوسط جديد» بوسائل القوة والغزو والاحتلال. في مجرى المشروع الأميركي ذاك، حاولت إسرائيل تعزيز سياساتها في حالتي التقدّم والتعثّر الأميركيتين. واليوم تواصل إسرائيل هذه السياسة بعدما لوت ذراع الرئيس الأميركي باراك أوباما في معركة وقف الاستيطان، وتجاهلت أيضاً بعض الأصوات الرسمية الأوروبية التي تطالبها باعتماد سياسة أكثر مرونةً حيال مشروع إقامة دولة فلسطينية ولو محدودة السيادة ومنتقصة الشروط والحقوق في جزء من الأراضي المحتلة عام 1967.
لا تقدّم إسرائيل جديداً عندما تمضي في سياسة العدوان، ولا أحد يفاجَأ إذا كان عدوانها لا يواجهه بالإدانة ما يُسمّى المجتمع الدولي. لم ترضخ إسرائيل التي حصلت عام 1948 على الاعتراف الدولي، يوماً لقرارات الشرعية الدولية. فمنذ اغتيال الكونت برنادوت مبعوث الأمم المتحدة في الخمسينيات، إلى اليوم، تواصل الحكومات الإسرائيلية نهج التنكّر لكلّ القرارات الصادرة عن مجلس الأمن والجمعية العامة للأمم المتحدة. وهي فعلت ذلك في حالتَي رفض تطبيق القرارات أو منع صدورها، بدعم كامل من الحكومات الأميركية المتعاقبة، بل إنّ واشنطن فاجأت العالم بمدى حرصها على حماية العدوانية الإسرائيلية وعلى توفير كلّ أسباب الدعم العسكري والسياسي والأمني والاقتصادي للدولة الصهيونية في كلّ الأوقات وكلّ الأماكن.
لكنْ للمعادلة التي تسعى إسرائيل إلى تكريسها وتعزيزها شريكٌ آخر أيضاً لا يقلّ دوره خطورةً وفعّالية، إنّه الشريك العربي. وهذه الشراكة تتمثّل في صيغ عديدة: من التواطؤ إلى التخاذل والتقاعس، إلى الخيانة في أحيان ليست نادرة. وقد حصل ذلك منذ تأسيس الدولة الغاصبة بالحديد والنار، منذ الثلاثينيات، إلى تكريسها رسمياً عبر قرار التقسيم في 15 أيار عام 1948، إلى توسّعها بوسيلة الحرب والعدوان والاحتلال والقتل والجرائم، ضدّ الشعب الفلسطيني واللبناني والسوري والأردني والمصري.
التقاعس والتخاذل والتواطؤ والخيانة هي عناوين لسياسات وعلاقات ومعادلات، تكاد اليوم، هي أيضاً، تبلغ ذروة غير مسبوقة. وباشر النظام الرسمي العربي، إلّا بعضه القليل، منذ سنوات تدشين مرحلة معلنة من الارتداد على الحقوق الفلسطينية والعربية، ومن إقامة الأحلاف مع العدو الإسرائيلي، بعد ممارسة الكثير من أشكال التعاون والتنسيق الأمني والسياسي والاقتصادي معه.
لا نبالغ، في ضوء هذه المعطيات، إذا لاحظنا أنّ إسرائيل، ليست في وارد تقديم أيّ نوع من التنازلات حتى لو كانت شكلية وجزئية، وحتى لو كانت هذه التنازلات لحلفائها الأساسيين أو لشركائها من المعتدلين في مسار المفاوضات القديمة أو الجديدة مع الأطراف العربية. ولا ينطبق هذا الأمر فقط على الحكومة الإسرائيلية اليمينية المتطرّفة الحالية، بل إنّه سوف يكون نهج أيّ حكومة إسرائيلية مقبلة كما كان نهج كلّ حكومة إسرائيلية سبقت حكومة نتنياهو الراهنة.
وحيال لبنان، يمكن القول بثقة حالياً (وفي مجرى تطوّرات دولية وإقليمية وحتى انتخابية داخل الولايات المتحدة الأميركية نفسها)، إنّ إسرائيل تملك المزيد من مقوّمات القدرة على المبادرة والانفراد والتقرير في شؤون العدوان. لا تحدّ من ذلك إلا موازين القوى، لا أيّ أمر آخر. وبناءً على ذلك، فإنّ إسرائيل تواصل تعزيز قدرات جيشها وتكرّر إجراء المناورات والتدريبات وتجاوز الثُّغَر، من أجل شنّ عدوان على لبنان. ومتى توافر لقادة الصهاينة الظرف المناسب لتنفيذ الحرب، فهم لن يتردّدوا في الإقدام عليها ما داموا يعتقدون أنّهم سيربحونها، وأنّ خسائر جيشهم ومجتمعهم فيها، ستكون من النوع المقبول عسكرياً وسياسياً وشعبياً.
يجب أن نضيف أيضاً، إنّ إسرائيل التي تستقوي في حروبها بدعم الآخرين أو بتواطؤهم، لا تخوضها بشكل وحيد هو الشكل العسكري. واليوم أكثر من السابق، وبسبب ما أحدثته من اختراقات سياسية وأمنية واقتصادية في الجسم العربي، يضاعف قادة العدو من تعويلهم على إضعاف الخصوم، وهم هنا كلّ الشعوب العربية دون تمييز كبير تقريباً. ومن بين الوسائل التي تركّز عليها إسرائيل وبشراكة كاملة مع واشنطن، إحداث أو تأجيج الفتن والانقسامات الإثنية والمذهبية والعرقية والفئوية بين البلدان العربية وفي داخل كلّ بلد، وخصوصاً البلدان العربية المجاورة لها.
حالياً، موضوع الخلاف على المحكمة الدولية وما تسرّب بشأن القرار الاتهامي، هو الأداة التي تأمل إسرائيل استخدامها إلى الحدّ الأقصى للنيل من «حزب الله» ولإضعافه ولتشتيت جهوده وصرفها باتجاه الجانب الداخلي.
يتطلب هذا الواقع الخطير والمصيري، في ما يتطلب، إحداث تحوّلات أساسية في طبيعة المواجهة. فليس من الصواب اعتماد كلّ التوجهات والأساليب السابقة، بل إنّ تطويراً جذرياً ينبغي أن يحدث في مسار بلورة استراتيجيات تمنع على العدو وحُماته استخدام نقاط ضعف قوى المواجهة، وخصوصاً في حقل تعدّد الانتماءات العرقية والدينية والطائفية. معروف اليوم أنّ هذه العناوين تُستخدم على أوسع نطاق في كلّ المناطق الساخنة: من العراق إلى السودان إلى اليمن إلى لبنان.
لا يمكن تفادي العدوانية الإسرائيلية تفادياً كاملاً، لكن ثبت، وخصوصاً في لبنان، أنّه يمكن جعل ثمن العدوان شديد الكلفة. هذه هي الضمانة الأساسية لتأجيل العدوان أو حتى لمنعه.
* كاتب وسياسي لبناني