إن التجليات (شديدة الواقعية) للمبادرة المعجزة التي اقترحها الرئيس فلاديمير بوتين والاتصالات مع الحكومات الإقليمية والحِراكات النشطة التي أفرزتها المشاورات الأخيرة في موسكو والدوحة ومسقط، تلمع من دون ريب لجموع المتابعين الكثر لسنوات العبث التي اجتاحت قلب العالم العربي ودوله المؤثرة بأن الخطوط الرئيسية للحلول المستعجلة لحروب وأزمات المنطقة قد وضعت على سككها وأعلن صفير بداية التسويات في سلطنة عُمان.


إن الاتفاق العام الذي بدأ يتسرب من الأطراف المنخرطة في الحروب الدائرة حول ضرورة مواجهة الإرهاب الذي يقرع أبواب الجميع، فيجعل كثيرين في هذا الحلف أمام «خيار الإجبار والضرورة» للدخول فيه وللقبول بالتضحية بأذرع تأثير ونفوذ «إرهابية» متطرفة، لطالما غذتها عوائد نفط وغاز باهظة، أو عملت على تجميعها وتدريبها وتمريرها إلى الداخل السوري طوال سنوات الحرب على سورية.
فها هو العالم اليوم يستنفرُ مستدركاً تهاوناً وتواطئاً وفترة طويلة من التآمر والسماح لمغامرات خطرة لتغيير التوازن الدولي الدقيق، وبناء معادلات جديدة قام بها وكلاء إقليميون تنافسيون حالمون بمشاريع سلطوية جديدة للفوز بوكالات حصرية من مراكز القوى العالمية في المنطقة. استخدموا فيها كل المحرمات والمباحات، وكسرت قواعد الأعراف والتقاليد والقوانين الدولية وتخطت السياسات القطرية والسعودية والتركية كل المعقول وراحت ترمي بكل المواد الانفجارية والانفجاريين وعوائد النفط والغاز إلى داخل الساحة السورية، وكأن عيون العالم قد أصابها العمى أو أن قوانين عدم التدخل في شؤون الدول الداخلية أدخلت الغيبوبة أو وضعت في ثلاجة الأموات السعودية.
بات واجباً على السعودية بعقولها «الجديدة» أن تقتنع أن ما حذرنا منه ملياً مع كثيرين، أن كرة الأحقاد والنيران التي عمل بعض المغامرين والمقامرين من قياداتها على اصطناعها وتكبيرها باستمرار ستصل بشكل مؤكد لتشعل ثيابها، ولتشب النيران في الجسد الخليجي النفطي السريع الاشتعال.
إن الانخراط السعودي في حرب طويلة استنزافية في اليمن تنذر بعواقب محتفظ بها ولها «كروكيات» ومخططات تقسيم جاهزة، منشورة ومعروفة بمقدماتها وعوامل دفعها وتنفيذها، لن تفيد فيها كل التحالفات الهشة مع دول العالم القديم الكهلة (فرنسا وبريطانيا) التي تشتريها المملكة وتدفع ثمنها عوائد النفط في صفقات عسكرية مشبوهة، تشبه الرشى المقنعة الإجبارية لشراء ذمم الدول والمنظمات الدولية.
كرة الأحقاد والكراهية والشحن الطائفي والمذهبي التي تعاظمت في المنطقة، والتي رعيت بإعلام نفطي طائش (يتاجر بدماء آلاف الضحايا ويستخدم كل أنواع الشعارات المذهبية وثقافة التكفير والتفجير) ستتخبط بمشيتها، ولن تحافظ على مسارها الذي افترضته العقول المقامرة. ولا بد لهذه الكرة من أن تمر في الملعب السعودي لترك آثارها ربيعاً اصطناعياً مُرّاً في تربتها الرملية القاحلة المتعطشة لأي زهر ربيعي حتى إن كان زهر شوك الصبار ذاته.


كرة الشحن الطائفي لن
تحافظ على مسارها الذي افترضته العقول المقامرة

خيار المكرهين هذا ستسير به أيضاً حكومة أردوغان والعثمانيون الجدد وبقايا المشروع الإخواني. المشاريع التي أصبحت من الماضي وبات على ورثتها لملمة الجدران التي تتهدم لدولتهم الوطنية بذات العوامل الطائفية والعرقية التي أريد تصديرها لإسقاط الدولة السورية.
إن الدبابات والمدرعات التركية التي وقفت طويلاً ساكنة لأكثر من ثلاث سنوات على الحدود السورية سترتكب عند تحركها بأي اتجاه تسلكه خطأ فادحاً ستدفع ثمنه باهظاً في مستقبل قريب. لم يعد لحفلة التكاذب التركية الطويلة مع العالم أن تستمر أكثر من ذلك، وأصبحت عمليات التخادم الوظيفي بين تركيا والأطراف المسلحة والأذرع الإرهابية في سوريا والعراق ومصر وليبيا مكشوفة، حتى لأولئك الذين أغمضوا أعينهم طويلاً. لعلَّ وكيل المشاريع الواهمة الماضوية يحقق مناقصته في المنطقة، بإيجاد نظام إخواني عثماني بإسلام «صهيوني» جديد يتصالح مع دولة الكيان الإسرائيلي، بعد أن قدمت له كل التسهيلات وعوامل الطفرة الاقتصادية الاستثمارية خلال العقد الماضي ليبدو نموذجاً يُحتذى في طول العالم العربي والإسلامي وعرضه.
اضطر النظام التركي الذهاب في دفع تبعات فشل مشروعه الذي أصيب بمقتل في سورية ومصر، بالتقدم للدفاع عن ذاته مجبراً في اتجاهين، مستعدياً طرفين خطيرين يشكلان جزءاً من بنيته الداخلية (الأكراد والإسلاميون المتطرفون).
وذلك في بيئة اجتماعية متنوعة هشة محمومة الانقسام، شارك الخطاب الأردوغاني بشقها وتفتيتها طائفياً ومذهبياً وعرقياً، حيث تعتمل في هذه البيئة كل عوامل التشقق الاجتماعي والانفجار تحت سطحها الساكن. سنترك للأقدار أن تجد عقاباً مناسباً لمن فُتِحت له الأبواب على مصارعها، واستقبل في ردهات الشام وقصورها بالترحاب والتكريم لسنوات طويلة، فقرر أن يهدَّ حُرم جاره وينتهكه غدراً، من دون رحمة أو وازعٍ من ضمير، وأدخل إليها كل عوامل التفجير والتخريب والتقسيم... إنها العدالة الإلهية!
وسيلان عواقب التبعات للانخراط التركي في المنطقة ما زال في بداياته والمستقبل حافل بالكثير، إن في استحضار المواجهات القديمة مع الأكراد بما يهدد وحدة تركيا، أو في قتاله الإرهابيين الذين اصطنعهم طوال سنوات وأعلن الحرب عليهم أخيراً!
وحده الأردن يبدو أنه كان منذ الأيام الأولى للحرب على سورية مجبراً ومكرهاً على لعب دور ارتزاقي، ما زال ينكره حتى هذه اللحظة. وتتعجب وأنت تستمع لبعض المسؤولين في «النظام» الأردني وهم يمرون على الحقائق المؤكدة والتقارير الكثيرة التي تؤكد الانخراط الأردني في تبني الغرف السوداء (متعددة الجنسيات) المشرفة والمتحكمة، وتشكيل مراكز التجميع والتدريب للعناصر المسلحة التي تريد تقويض الدولة السورية، فتصيبهم حالة «الإنكار المتفاقم» ذاتها التي اتبعت حين إسقاط دولة العراق عام 2003 عبر كل وسائل الدعم المختلفة التي قدمها الأردن للقوات الأميركية المعتدية الغازية وحلفائها.
وهنا لا بد من استحضار التساؤل الساذج القديم عن الدور الوظيفي والتخادمي والاستثماري للأردن منذ إنشائه بسلطاته المتوارثة وحكمه الملكي المستمر والمرعي بالحماية الأجنبية البعيدة، مهما حاول بعض أصدقائنا الأردنيين الشرفاء في الخندق العروبي تجميله وإزالة القباحة عنه [!]. فلا شيء جديد ولا شيء غريب.
لكن... بعيداً عن الأصوات الناقدة العالية ورؤوس كثير من السوريين والعروبيين الحامية، فإن الملاحظة التالية يجب أن تؤخذ بالاعتبار: إن فشل هجوم المعارضة السورية على الجنوب بشكل متكرر، وما رافق ذلك من «تسريب» لخطة العملية إلى القيادة السورية بشكل مسبق، قد يدل على أن هناك أطرافاً «مقامرة» لا تتورع عن العمل كعميل مزدوج مرتزق يساعد في إنشاء الغرف السوداء للتآمر على سورية، ثم لا يتردد أن يرسل خلفهم المعلومات الكافية لإسقاطهم في شرك «صيد الجرذان» الذي شاهدناه كثيراً في الجنوب السوري بعمليات مؤثرة كبيرة. لذا يجب أن نتوقع: عندما تحين ساعة التحالفات الكبرى والتسويات الوازنة في المنطقة، وفي حال تشكل التحالف الإقليمي مع سورية مزمع الانعقاد في المستقبل كما تقترح روسيا، فستتحول سوريا إلى «ساحة مصائد» لفترات طويلة حتى إنهاء ما يسمى متطرفي العالم وإرهابييه. فهل حانت لحظة الحقيقة وآن وقت الحصاد؟!
* كاتب سوري