فادي يونس*

استطاع حزب الله أن يستوعب التداعيات السياسية لاغتيال الرئيس رفيق الحريري، وببراغماتيّة متقنة تمكّن من محاصرة مشروع حركة 14 آذار الانقلابية. نقطة التحوّل الأساسية كانت في 7 أيار 2008. يومها استطاع الحزب، في ظل ظروف إقليمية مؤاتية، أن يجبر حركة 14 آذار على توقيع اتفاق الدوحة. اتفاق أحدث تحولاً أساسياً في مجريات الأحداث على الصعيد الداخلي وفي التوازنات الإقليمية المرتبطة بها. في مقابل هذا السعي الدؤوب للحزب، شهرت الولايات المتحدة آخر أسلحة حركة 14 آذار، أي المحكمة الدولية وقرارها الاتهامي المنتظر بحق أفراد من حزب الله. إذاً إيقاف انقلاب حزب الله المضادّ سيكون عبر اتهامه. عندها يصبح الحزب أمام خيارين: الغرق في فوضى عدم الاستقرار الناتجة من اتهامه، أو الالتحاق بتسوية متوافقة مع المشروع الأميركي مقابل مكاسب سياسية مغرية. هل تنجح الولايات المتحدة في مسعاها هذا؟
«سنقوم بضرب حزب الله عبر استخدام القرار 1757، إلا أنّنا هذه المرة سنواصل عملنا حتى النهاية». هكذا اختصر جيفري فيلتمان المخطط الأميركي لمواجهة حزب الله. مواجهة مختلفة عن سابقاتها، إذ تبدو الولايات المتحدة وكأنّها قد عقدت العزم على مواجهة حزب الله مباشرة، لا عبر وكلائها في حركة 14 آذار. كلام استكمل شرحه أحد محامي وزارة الخارجية الأميركية بالقول: «إذا أدانت المحكمة عضواً واحداً من حزب الله فسنفوز. باستطاعة مجلس الأمن القيام بعدد من الأمور «لخلع» حزب الله. هل يمكنك أن تتصور تأثير عقوبات على غرار تلك المفروضة على إيران إذا ما فرضت على لبنان حتى يتمّ تسليم القتلة؟ إنّ اللبنانيين يهتمون بالمال فقط، وبوجود كلّ هذه الطوائف التي تكره بعضها بعضاً أصلاً، سيغرق البلد في الاتهامات المتبادلة والحرب الأهلية إذا ما اضطروا الى التقشف قليلاً».
إذاً، المطلوب أميركياً هو قرار اتهامي يستفز حزب الله لدفعه نحو عمل عسكري أكثر شمولاً من أحداث السابع من أيار، فيما تعلم واشنطن قدرة حزب الله على إطاحة حلفائها؟ يبدو أنّ الإدارة الاميركية مقتنعة بأنّ تكتيكات حزب الله «الخبيثة» للقضاء على 14 آذار، لا يمكن وقفها إلا بفصل حزب الله عن النسيج الطائفي اللبناني.
يهدد اتهام حزب الله باستعمال الاغتيال السياسي لإطاحة الرئيس رفيق الحريري، من أجل تحقيق مشروعه السياسي المذهبي على حساب الطوائف الأخرى، التوازن الطائفي القائم منذ تأسيس الكيان اللبناني. لا بل أكثر من ذلك، سعي الحزب لضمّ لبنان الى محور الممانعة قد يهدد المستقبل السياسي لأمراء الطوائف المنضوين منذ قرون تحت عباءة المشاريع الغربية في الشرق.
إذاً سيطيح هذا الحزب «المؤدلج على نحو مفرط»، فيما لو استمرت قدراته بالتعاظم بامتيازات، الطوائف الأخرى. بالتالي لا بد من إعلان الطلاق بين حزب الله وباقي الطوائف، أي عزل الحزب عن النسيج الطائفي اللبناني، وحصره في حدود طائفته، التي ستستشعر بدورها بإمكان عزلها بسبب احتضانها للحزب. وبالتالي ينقلب احتضان الحزب من كونه عامل قوة لطائفته داخل النظام الطائفي الى مهدد يطيح امتيازات اكتسبتها عبر عشرات السنين من النضال. إنّها معركة طويلة الأمد، والقرار الاتهامي وما بعده يندرجان في هذا الاتجاه.
هذا المسعى الأميركي لاستغلال المحكمة الدولية منعدم الأفق، إذا ما قورن بالمتطلبات الأميركية الأخرى. فالمطلوب أميركياً في مرحلة ما بعد القرار الاتهامي هو كالآتي: أن تبقى النيران اللبنانية محصورة ضمن النطاق اللبناني ولا تطاول قوات اليونيفيل، استقرار الحدود اللبنانية ـــــ الإسرائيلية (فلسطين المحتلة)، استمرار التسوية العراقية، أن لا تتحول المواجهة الداخلية الى حرب إقليمية أي عدم المس بالتوازن الإقليمي. لذلك تبدو جهود «سين ــ سين» مفيدة من المنظور الأميركي، وخاصة إذا ما اقتصرت على ضبط حالة عدم الاستقرار اللبنانية في مرحلة ما بعد القرار الاتهامي وذلك ضمن هذه المتطلبات.
في المقلب الآخر، عمد حزب الله الى افتتاح مرحلة أكثر خطورة في سعيه لاستكمال تفتيت حركة 14 آذار من أجل إلحاق لبنان رسمياً بمحور الممانعة، وذلك عبر إسقاط خيار المحكمة الدولية، آخر أوراق 14 آذار.
ففي منتصف تموز الماضي، أطلق السيد حسن نصر الله العنان لحملة إعلامية هادفة الى زعزعة شرعية المحكمة الدولية، إنكار دستوريتها، والطعن بصدقيتها عبر فتح ملف شهود الزور والاعتقال التعسفي للضباط الأربعة. كذلك وصف المحكمة بأنّها مشروع إسرائيلي ـــــ أميركي يهدف الى ضرب المقاومة وإشعال نزاع مذهبي.
لم يكتف الحزب بالقرائن التي تدين إسرائيل في عملية الاغتيال، بل زاد من الضغوط على رئيس الوزراء سعد الحريري وداعميه، وذلك من خلال اعتماد سياسة حافة الهاوية في التعاطي مع القرار الاتهامي. فقد أوجد الحزب معادلة تؤرق خصومه في الداخل وأعداءه في الخارج وهي «المحكمة مقابل الاستقرار». وبالتالي لم يعد مستقبل حركة 14 آذار، وما تمثله من مصالح أميركية وسعودية، مرتبطاً باستمرار المحكمة وإنما مستقبل هذه الحركة والمحور الإقليمي الداعم لها مرهون بالتخلي عن المحكمة.
وبالفعل، افتتح الرئيس بري هذه الحملة المضادة عندما عبّر عن مخاوفه من «إمكان نشوب نزاع مذهبي في حال توجيه الاتهام لحزب الله». وكان موقع محطة «المنار» على الإنترنت الأبلغ في تهديد الحريري وذلك بتحذيره من أنّ لبنان «سيواجه أياماً قاسية وصعبة إذا لم يرفض الحريري المحكمة قبل نهاية شهر أيلول» (إذ كان من المتوقع صدور القرار الاتهامي قبل نهاية شهر أيلول). انضمت سوريا إلى هذه الجهود بإصدارها مذكرات توقيف بحق 33 شاهد زور، يمثّلون الفريق الأمني والإعلامي والسياسي للرئيس الحريري.


يهدد اتهام حزب الله باستعمال الاغتيال السياسي لإطاحة الرئيس رفيق الحريري التوازن الطائفي القائم منذ تأسيس الكيان اللبناني

أكثر من ذلك، حذّر السيد حسن نصر الله، سعد الحريري من أنّ توجيه الاتهام لعناصر من حزب الله باغتيال والده، سيؤدي لا محالة الى سبعين 7 أيار. وبالتالي، فإنّ الحريري أمام خيارين: رفض المحكمة واستمرار شراكته مع حزب الله تحت غطاء «اتفاق الدوحة»، أو الاستمرار في مشروع المحكمة ورهن مستقبل علاقته بحزب الله بما ستؤول إليه الأوضاع في مرحلة ما بعد القرار الاتهامي، أي تحت غطاء «دوحة 2» في أكثر الحالات تفاؤلاً. يعني ذلك مكاسب إضافية لحزب الله داخل مجلس الوزراء تتجاوز بكثير قدرة التعطيل المكتسبة بفعل «اتفاق الدوحة» المعمول به حالياً. ويستطيع بالتالي تغيير توازنات السلطة القائمة، مقابل خسائر موازية لمكاسب الحزب غير محصورة في الإطار الداخلي، بل في التوازنات الإقليمية المرتبطة بها.
إذاً، يبدو خيار الولايات المتحدة باتهام حزب الله أمراً بالغ الخطورة، فقد يدخل حلفاؤها في نفق مظلم ويلحق لبنان بمحور الممانعة في حال الاستمرار في هذا الخيار. أما خيار التخلي عن المحكمة تحت وطأة تهديدات حزب الله، فسيكون أكثر خسارة من حيث إنّه سيضع علامات استفهام حول قدرة الولايات المتحدة الحقيقية في التأثير بمجريات الأحداث في الشرق الأوسط. هذا سيمثّل رافعة قوية لحركات المقاومة ودول الممانعة الداعمة لها، تعطيها القدرة على تغيير التوازنات في الشرق الأوسط بما يسهم في خلق مستقبل سياسي جديد للمنطقة يتناسب مع مصالحها.
كذلك تبدو خيارات حزب الله صعبة للغاية، فإلغاء المحمكة أمر في غاية الصعوبة، والاتهام المتوقع قد يستكمل تطويق حزب الله من الداخل المذهبي اللبناني. وبقدر إغراء اتفاق «دوحة 2» من حيث المكتسبات السياسية (على الصعيدين الداخلي والإقليمي)، فإنّ حزب الله يكون قد دخل المرحلة الأكثر غموضاً في تاريخه.
* باحث لبناني